‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 24 مايو 2016

خطاب بخصوص الأناركو-نهلزم.


الرفيقة هاجر/

تعرفين، انه حينما ستحل الاشتراكيه الاناركيه محل النظام الراسمالي العالمي، احادي القطب، المتوحش، تعرفين ان يومئذ، سينادي الجميع بعضهم البعض بـ"الرفيق"؟ ستختفي كلمة بيه وباشا. "حضرتك" و"سيدنا" و"صلعم"، القاب ستنمحي تماما من الآربان ديكشناري لذلك العصر، وتبقى في معاجم اللغه فقط، يقرأ عنها مدمنوا التاريخ المؤلم. نعم فحاضرنا هو تاريخهم المؤلم، هؤلاء الذين ورثوا العالم من بعد الثورة الكبيرة، العالميه. ومن بعد حرق المصاحف والسجلات وتحطيم كل الصلبان ودبابير الظباط.

الله قد مات، اعتذر لكي، فنحن الجيل العربي الاول الذي يعي تلك الحقيقة. مع ان جدنا، جدي وجدك، ابو العلاء، الذي سكن معرة النعمان، فسموه المعري، كان قد استوعب كامل الاستيعاب ان الله ميت، بل ومتحلل، تخيلي يا عزيزتي؟ ان الله في قبره مدفون، منذ قرون مضت...

انا احب ابو العلاء خصوصا، لانه دون فلاسفة القرن العشرين النهلستيين، جاء في زمان الصراع التافه والغريب حول خلق القرآن! فابدع! تأملي مثلا قوله: "اما الإله فأمرٌ لست مدركه... فاحذر لجيلك فوق الأرض إسخاطا."

دعنا من هذا كله، دعيني اؤكد لك، قبل اي شئ، ان الحريه ليست مخيفه إلى ذلك الحد... الحرية هي الانسانيه، الانسان قد يقتل، فيبقى انسانا، فيبقى كبقية الحيوانات التي تقتل لتاكل وتقتل لتحمي صغارها، لكن ويلة عصرنا، هي ان الانسان صار يُعذب، صار ساديا مقيتا، وصار كذلك مازوخيا، وهذا لانه مكبوت، ومحكوم...

لهذا، اعلمي، ان القيود وان بدت آمنه، تظل قيود... يقول سيوران: "لا تحبوا قيودكم وان امّنتكم على ارواحكم." واقول: "واكسروها وان سالت الدماء بكسرها..." لهذا مجد امل دنقل الشيطان الذي قال لا. هل تستوعبين الدرس؟  انها حكاية خبيثة، والظن ان الشرير الحقيقي هو من كتب تلك القصة عن ان الأبي المتمرد هو الملعون المطرود من الجنة! تخيلي معي ان مديرك في العمل، يأمرك بالسجود للموظفه الجديده التي "عينها" هو بذاته. اعرفك جيدا واعرف انك ستتمردين حينئذ، لكن إليكي المفاجأة: سيخز في نفسك بعض الالم بعد التمرد، سيؤدبك الضمير! وهذه هي اللعبه الرابحة التي لعبها مهندسوا الاديان، الكهنة والرهبان منذ آلاف السنين. استطيع ان ارى الكاهن الاصلع مرتديا اقمشته السوداء، يحكي بخبث إلى زميله، في ظل شموع مُضاءة باموال الفقراء، عن فكرة، ستحني رؤوس المحكومين للحكام أبد الدهر، عن قصة سيخترعونها، ويُنشئون الاطفال عليها، عن فكرة ستجعلنا نندم بعد كل تمرد، بعد كل صرخة للحق.

هل لاحظتي من قبل، ان الحسين، مولانا الشهيد، لا يُذكر ابدا، لا في السينما ولا في خطب المساجد! لان الكل يريدون يزيد، يريدون القاتل المسيطر ولا يحبذون ثائر كالحسين! لانهم خنازير، مبتذلون.

على كل، على كل حال، يعني في كل الاحول، (كما يغني زياد الرحباني الشيوعي في اغنيته "بما انو") علينا ان نتلقن الدرس جيدا، جيلنا بالتحديد، عليه ان يتحمل مسئولية. مسئولية الحرية واللاانتماء، لاننا اول من تسربت له تلك المعلومة، عبر الويب. فكل محاولات تنوير العقول في الساحة العربيه من قبل قد قوبلت بالرفض والعنف. قتلوهم يا عزيزتي كما قتلوا ابو العلاء وجاليليو.

وخلاصة ما كتبتي، انك تتنصلين من المسئولية، او تخافين منها، في حين ان ما يخيفني، وما اظن انه انكى بان يثير مخاوفك كذلك: هو الكذب والقمع الذي نعيش فيه. فكما يقول سيغموند فرويد: "من يترك المفتاح، لن يستطيع ابدا ان يفتح الباب". كيف نختار الظلام اذا؟ اتعرفين ما الذي جرى للمقيمين في كهف افلاطون، حين علموا ان ثمة اجسام ملونه في الخارج، لقد ركضوا، هربا من الظلال، وطمعا في الحياة والحيوية...

فلندفع ضريبة جيلنا كامله، حتى نسلم مفاتح قريتنا للجيل القادم واضحة، ليأتي الزمان الاخير، اليوتوبيا التي ستحرق الخنازير الذين يعيثون في كوكبنا فسادا.

نحن نقطتين، وامثالنا معنا نكون مجموعة ضئيلة من النقاط، امام هذا السواد والظلام العالمي المهيب. لكن اخبريني، لماذا لا نلعب دورنا؟ لماذا لا نكافح الفكرة، على الاقل في نفوسنا؟ نحن لا شئ وهذا معلوم، لكن كل شئ هنا لاشئ، فتعالي اذن ايها اللاشئ، تعالي نُصارع هذه اللاأشياء الاخرى حتى يبزغ الفجر على لاأشياء المستقبل.... الحياة غريبه ومضحكة، اليس كذلك؟

ملحوظة: احضري معك الكثير من الملابس الثقيلة ومعطف، فالجو هنا قارس البرودة. فالزنازين التي تعج بآلاف المحابيس، دافئة، واحيانا حارة خانقة، لانهم يتنفسون ويعرقون، ولأن لها جدران اسمنتيه سميكة. أما ارض الحرية فلا تزال مهجورة، ناهيك عن اننا هنا نعيش في الطل.

المخلص دائما،
عاصم.


خطاب الرفيقة (الأصلي): أنا لم اقتل الله خوفا على امي

الاثنين، 23 مايو 2016

فقراء، وحاقدين ايضا

   

   لكن لان الحقد حقنا، نحن الفقراء والضعفاء. انه حقنا الازلي، والذي لن نتنازل عنه، سنحقد، وسنبالغ في الحقد، حتى وان شرعوا الف عقوبة للحقد، الاعدام لن يخيفنا، وجهنم، وعيد الحاقدين، لن تصدنا عن الحقد الذي يأكل في قلوبنا. فما ميزتهم كي ينعموا ونتعذب؟ لماذا يتغنجون في الرغد ونفترش نحن التراب ونتلحف بالبرد؟ ما ميزة هذا الرجل السمين ذو الشارب الكث الذي يغطس في طعامه الشهي، اللحوم والاسماك، في هذا المطعم الفاخر في وسط بلدتنا. حتى كلبه، ينول من شهي الطعام نصيب! ثُم يتأففون منا، الفقراء الواقفون امام الباترينه، يحقدون، فقط ينظرون للطعام فيسيل لعابهم، لا يتقدمون خطوة ولا يستأخرون، لانهم ضعفاء ولان هزالهم يحول بينهم وبين ثورة، وبين تمرد، وبين تحطيم هذا الزجاج. فها نحن واقفون خلف الزجاج، فحتى ريح طعامه الشهي لا تصل لانوفنا... لكننا رغم ذلك لا نملك الطعام، فلذا، نحن واقفون، نُشاهد فمه يلوك المُضغة من اللحم ويحتسي اللذيذ من الشراب. ولا نتمنى لاننا نعلم اننا لن ننول، فقط ننظر، ونحقد ثم نصرخ في وجوه بعضنا البعض... وهذا الطفل الذي فقد ساقه، هذا الذي تحمله امه المريضة بسرطان الثدي، التي لا تجد مالا لتطعم ولدها، التي ترفض المستشفيات "الخيريه" علاجها، لان طليقها مسجل خطر، لانه تشاجر ذات مرة مع واحد من البهوات، مأمور احد الاقسام. هذا الطفل، الذي اخذته امه ليبحثا في صندوق النفايات عن بعض القوت، في وسط الشارع، وامام اعين اناس جاحدين. هذا الطفل الذي انشغلت عنه امه لوهله، فراح يلهو في الطريق، فمد يده إلى كلب السيد السمين، يُداعبه مثل اي طفل. فنهره سيدنا المتجه إلى المطعم الفاخر القابع في وسط بلدتنا، لان كلب سيدنا، اهم من طفل برئ، اقصد انظف، والطفل، هذا الطفل يداه متسختان بالقذارة... قذارة من تلك؟ هذا السؤال يجيبنا عنه جارسونات المطعم الفاخر القابع في.. لا يهم اين يقبع، المهم انهم هم من يكبون بالنفايات إلى هذا الميدان... يجمعون بقايا طعام السيد السمين، سيدنا، طعامه وطعام كلبه وطعام زوجته، وطعام بنيه واحباءه (ذكرنا الكلب قبل الزوجة والابنا بغرض الاهانة لان حقدا يحرق قلوبنا) ثم يُلقون به إلى قارعة الطريق. والنية من وراء ذلك حسنة بريئة. خل معي، ما النيه؟ النية والغرض، اطعام المساكين، لكن بشكل يليق بالمساكين. "فلا احد يقدم الطعام لحيوان ضال عند عتبة بيته، بل يلقي بالطعام إلى قارعة الطريق، فتفتش عنه الحيوانات الذليله"-مثل روسي، بتصرف.

  هل فهمت الدرس بعد؟ هل فهمت لماذا نكرههم؟ ولماذا نحقد؟ ولماذا لا نرضى؟ لانه لا تبرير للحال، ولانهم ليسوا افضل بكثير. انهم فقط محظوظون. ونحن... نحن العاهره، والنقاش، وعامل السباكه، ورجل النظافه المسن الذي يتكئ على مقشته فيسقط للطريق، فيصرخون فيه، اتم عملك والا لا نعطيك اجرا، ونترك ابناءك وزوجتك للجوع يتضورون! نحن عاملة النظافة في تلك الجامعه، التي تُنظف حمامات يستخدمها ذكور ذوي بطون منتفخة، واناث ذوي ملابس خليعه. نحن العجز والخيبه وقلة الحيله. نحن من لا يهتم الاغنياء لمآسيهم، حين يعرضون اعلانات المجتمعات العمرانيه الجديده في التلفاز. نحن الجهل الذي يشمئزون منه! نحن الوساخة والقذارة في قاع ذلك المجتمع. ونحن هنا في القاع، لانهم يضغطوننا إليه بشده، لانهم يقفون منتصبين باحذيتهم، وبكعوب زوجاتهم تنغرس في رقابنا. خدم وحشم لهم. نحن الخادمة التي ضربتها ربة البيت حين تحرش بها ابنها. نحن مكتوف الايدي الذي يبيع لك المناديل في حر كوبري الجامعه. هل احكي لك المزيد؟ عن فقرنا وقلة حيلتنا؟ ام يكفيك ان اقول لك اننا نحقد، وان الحقد حيلتنا الوحيده، فتدعني وشأني، ولا تدعوني بسم الصليب ان اهدأ. واتركني لحالي... رجاء اتركني لحالي. فقط اعطني قرشين، حتى اشتري الغداء، فالجوع مؤلم، اكثر من الذل واكثر من اي شئ. فقط اعطني قرشين...

الجمعة، 7 أغسطس 2015

تخيل معي! -مقال غير مُجدي عن المثليه الجنسيه-





تخيل معي، الآن، ان رجلا اربعينيا، لديه عافيه وصحة عظيمة. اقبل على امرأة ثلاثينية. جمالها اخاذ. نهديها متقدين. ترتدي فستانا احمر اللون. مقذوع من منطقة الفخذ. يكشف عن ساق شديدة البياض. وهو، الرجل يرتدي قميصا وبنطالا. يبدو كموظف ثري. المرأة تنتعل حذاء عشرة سنتيمترات. اسود، لامع. ويمتد بطول ساقها شراب شفاف. ساقها يستحيل ان توصف بانها ممتلئة، لانه تماما في المقاس المثالي.

لا لن يجري بينهما ما تتصوره، لن يقبلا بعض ثم يتقاسما الفراش. فهؤلاء الاثنين، لديهما طريقة خاصة وخاصة جدا في التلذذ، سوف لن تستوعبها انت. لانك ساذج، تظن ان اللَّذه مقتصرة على هيئة ونوع واحد لا خلاف له.

المهم، سيخلع الرجل رابطة عنقة، التي تدلل على ثراءه. ثم يجثو على ركبتيه. فتضع الجميلة، ذات الرداء الاحمر-لقد الح عليها منذ اخر لقاء لهما الا ترتدي سوى رداء احمر، والا تنتعل سوى هذا الحذاء او الحذاء الاسود ذو الرقبة- ساقا فوق ساق. فترتكز قدمها المدهنة تماما امام ذقنه. لانه انحنى قليلا الى الأمام.

تعرف ما سيدور بينهما فيما بعد؟. سيخلع حذاءها عن قدمها. سيقبل الحذاء قبلتين. فيسيل لعابه. سيتشمم بعدئذ قدمها وهي مدسوسة في الشراب، فتبدو على وجهه معالم لذَّه، تاثرا بالرائحة التي تشممها. سيقبل فخذها، ثم يشد باسنانه طرف الشراب، فيخلعه عن رجلها البيضاء وهو يلهث، كانه يشد بفمه قطارا محملا باللَّذات والمُتع. سيغمر قدمها الصغير بعد ذلك بلعابه. سوف يتسنى لنا، انا وانت، اذا كنا واقفين شهودا على الموقف، ان نرى هذا الكهل يتمرمغ لاعقا قدميها. سوف تنصرع انت لهول اللذه التي تغرق فيها عينيه. سيذوب امامنا، وتتفجر من بين اصلابه دفقات كثيرة. سيدعك بيده محل الدفقات. سيرتعد اثر اللذه. سيقوم ليدخن سيجارة النشوة!

اتعرف كيف يمكن ان ينتشي شخص ما من هذا؟

صحيح!! فاتني ان اعلق، على ان المرأة قد ركلته ثلاث ركلات وهو يلعق قدميها. مرتين بغير قصد. فقد انفلتت حركة مفاجئة من قدمها بغير قصد في هاتين المرتين. ومرة ثالثة، فعلتها متعمده! فاقسم بالله، اني رأيت طلاء اظافرها الاحمر -لقد الح عليها في طلب ذلك اللون ايضا- وهو يختلط تماما بوجنته اليمنى. لا بل اليسرى، فهي ضربته بقدمها اليمنى، وهو راكع امامها، فلا بد ان تصطدم اليمنى بالخد الايسر، اليس كذلك؟ ام انني مخطئ؟
أأخبرك سرًا؟ لم ار في حياتي، امرأة ما، تنتشي بهذا القدر. رأيت امراة تضاجع ثلاثة في وقت واحد فلم تتأثر مثلما تفحمت هذه المتغطرسة من فرط النشوة! كيف؟! والأهم لماذا؟!

كنت منذ يومين، اتصفح الويب، فقرأت على منتدى "حماة السُّنة"، شيخا يفتي بان الشذوذ (المثليه الجنسيه) محرمًا. لا لأن الله مُتعسف، ولا لأن الإسلام دين خرافة. وكأنه في حاجة لمثل ذلك التبرير. بل لان الشذوذ (بحسب وصفه للمثليه) يهد اركان المجتمع. وهو بذلك نذير بؤس وشرور كثيرة لازم ان نتفاداها. كان هذا الشيخ المسكين، يجيب على تساؤل واحدا من زوار الموقع، يسأله عن الموقف الذي يلزم ان تنتهجه الحكومات العربية ازاء اباحة الامريكان للشذوذ، وهل واجب ان نتخذ موقف عدائي من أمريكا؟ لانها صارت من صناديد الكفر- هكذا تماما عبر عن رأيه بامريكا، صناديد الكفر، ما معنى صناديد باية حال؟- فكانت اجابة الشيخ كما ذكرت، ليس تماما كما ذكرت، بل اضاف اليها نقطة او اثنتين.

هذه الاسئلة تغمر عقول الناس العادية بشكل عام، لان المثليين، حسب ظني يشكلون رعبًا حقيقيا لغيرهم. لانه غير معقول تماما ان يكونوا على صواب! كيف يكونوا؟ كيف يتمتعون ويتلذذون ينجاساتهم! تبا، هؤلاء لا يعرفون الدين، يستحقون ان يسحقهم الله كما سحق من قبل اللواطين الملاعين. لا بد ان نمحيهم اذا كنا مسلمين بحق! اما اذا كنا مسلمين، ولكن من مصر الجديدة، فنحن اذا لن نمحيهم، لانا على قدر من الانسانية والرحمة، ولاننا متعاطفين جدا مع الخلل النفسي والعقلي الذي يحيا به المثلي. لذا فسوف نتهكم-فقط-عليه في كل مناسبة. سوف ندهس مشاعرهم بكل قوة لدينا وبكل حذاء نملكة. سوف نتقزز من المثليين كذلك ونتجنب التعرف اليهم، لان ما يفعلونه مازال ولا يزال نجاسه.

اذن هم مرفوضون بوجه عام. خلا ان البعض سيبدي تعاطفه معهم، سيزيف موقفا في صالحهم، في محاولة لان يبدو اكثر تحضرا من غيره، فاذا بدل صورته الشخصية على الشبكة الاجتماعية الى الوان القوس قزح، اتيحت له فرصة رائعة لان ينهش في لحم بقية المصريين الرجعيين. الذين لا يفقهون المعنى الحقيقي للحرية، اصحاب المبادئ المزدوجة، اف لهم!

هيا نعاود ادراجنا لحكاية الرجل ذا القميص والمرأة المفعمة بالحيوية، المثيرة الى حد بعيد التي كانت تركله لتنتشي...

اتعرف يا عزيزي، بم يتمتع هذين "الغريبين"؟ واضح لك ان ما يفعلانه، لا يثيرك بلذة او متعه. لكنه في الحقيقة يثير فيك شعورا مختلطا بالاشمئزاز والألم: النسبة تتباين من شخص لاخر، لذا لا اظن ان كل القراء سيعجبهم هذا القول، فالبعض سيقسم بالله انه لم يتألم وان الامر كله قصرا على الاشمئزاز والنفور. لكن هذه الجفاوة في تقدير الشعور لا تشغلني الآن.

تعال نتدارس سويا ما الذي ودت انت لو تراه حينما بدأ المشهد... تمنيت ان تتم الممارسة بشكل طبيعي، الممارسة العادية المعهودة... او تمنيت حتى على الاقل، بعدما شرعا في افعالهما الوسخة، لو نفرا من هذه الافعال "الشاذة" التي قاما بها!

ما غرضي من هذه الحكاية؟ 
كدت ان انسى...

سانهي هذا الامر بسرعة: انت حينما تعتلي امرأة ما وتقبلها فينتقل لعابها إلى فمك، كما انتقل وسخ قدمي المرأة إلى فم الرجل. وانتِ حينما تأتي رجل في فرجه وانتما على الفراش، فتستبدلين الألم باللذه، تماما كما استبدل الرجل الالم والاهانة المصاحبين للركلة بالتلذذ. وحينما ينتهي الجماع، يؤلمك جسدك بشده، لكنك لا تلحظ لانك متمتع نشوان.

اذا لم يكن هناك اي تبرير منطقي لما دار بينهما، اذا كنت تعتقد في هذا، فانا اتفق معك تماما، لان العملية التي اجروها معا محملة بالقذارة والقرف. لكن تبعا لاستنتاجك الجرئ هذا، واجب ان يتفق لك كذلك، اذا كان عقلك بحالة سليمة، ان ما تقوم انت به ايضا مع من يجاورك الفراش، هو فعل مقزز وخالي تماما من المنطق.

ففي كل الاحوال لا توجد في حياة الانسان الا المعاناة والالم... لكنه وبفضل عقله الباطن الخبيث، استطاع ان يترجم عددا من الآلام التي يمر بها في حياته إلى اللذه او المتعه. من خلال خدعه كيميائية تجري في العقل، لا علاقة لها بالمخزون المنطقي او الاسباب الكونية التي كان من المفترض ان يأخذ بها الانسان.


اقول من دون استطراد، الانسان وبصفته كائن واعي. كان انكى به الا يضيع لحظة واحدة في سبيل سوى البحث عن الحقيقة، السعي لكشف الاسرار... لكنه ولوقاحة منه، اختلق لذات ومتع حيوانية، تلهيه، وتشغله عن الرعب الكامن في جهله بالغيب. في انه بالاصل لا يعلم مكنون ذاته، ولا يعرف عن الاسرار الغامضة الموحشة شيئا من الاشياء قط!

الخميس، 11 يونيو 2015

مأساة متوسطة


لقد قضيت عمرك منذ بداياته وحتى المآل في عالم الوهم. العالم الذي صُنع خصيصا ليحاصرك انت وكل ابناء الطبقة المتوسطة وليحرسكم كيلا تنجرفوا إلى بركة الوحل التي يسبح فيها بقية المصريين. البركة التي يُعكر ماؤها طين العجز والخيبة الذي تكدس لضيق في الصلاحيات المُكتسبة للمواطن العاديّ في هذا البلد، فالامتيازات النيابية والقضائية والأمنية محصورة لذوي النفوذ ومعارف ذوي النفوذ كما هو معلوم بالضرورة. ثم يأتي الفقر ليؤمن عجز الجماهير بالاحتياج الدائم للقوت، فيصير الضنك مستساغا لدى الكل، فرائحة الكلس مقبولة في الديار مادام القوت يُطهى على النار. أما عيون الكادحين التي كانت بالاصل مُسلطة على الرغد الذي تتغنج فيه قحاب النخبة، فيتم تشويشها وترويغها بانسداد منافذ المعرفة الحرة، وباقتصار التَعلُم على مقررات العام الدراسي المفروضة من قبل الحكومة وخطب الجمعة التي لا تفتأ تحكي عن الاستسلام لقضاء الرب وقدرة أو بعبارة اخرى الخنوع والانصياع للرؤوس.والنتيجة كثبان من تراب الوخامة الاجتماعية تتراكم في الشوارع، وروائح الوساخة الخلقية تفوح من العماير، وزبالة التدين تترع الحواري.


تُحاصر الطبقة المتوسطة ابنائها باغشية الوهم لئلا يسرحوا في الشوارع، لئلا يلجوا العماير، لئلا يعاينوا الحواري. لظن منها انها في منأى عن الدنس، وهيهات، ولأنها في الواقع طبقة هشة متوترة متزعزعه، كالجنين المهين يحتاجان إلى رحم يُغلف بجدران متينة ويرعى بمخاطيات لزجة وبالعزل يحمي الداخلي من شرور الخارجي. يُباعد العزل بين المعزول ومحيطاته الواقعية، التي تُنذر بالسعير الكامن في الانزلاق لوديان الفقر والحرمان، هذا الانزلاق الذي هو خطر كل يوم، يفرض على متوسطي الدخل اقتفاء مسالك محدده حذرا وحيطة. هُنا تلجأ الطبيعة السيكولوجية للانسان إلى التلفيق والتحايل، إلى طمس الحقيقة المُزعجة  بأوهام وقّاده، تُسكن الموهوم بسبات وتهدهده كطفل ينام في مهد من الخواء.

لفقاعة الوهم جدران رقيقة كفقاعة الصابون، لكن رقتها لا تنفي فعاليتها في تشتيت الادراك، وفي تفكيك اقفال الحذر أمام تبريرات لامنطقية واهيه تجعل من غير المعقول سائد ومن غير الاخلاقي ضرورة اجتماعيه ومن غير الانساني قدرا إلهيًا. ترتكز عملية صناعة الوهم على عمليتين جدليتين، عملية إلهاء الذهن "المُتلقي" وعملية تشويش المعلومات "المُتلقاه". يتمثل الإلهاء في تحويل الانتباه عن المشاكل الهامّة والتغييرات الجارية، من خلال تعريض الجمهور المُتلقي لوابل متواصل من الإلهاءات، كمباريات كرة القدم وسلسال الانتاج التليفيزيوني التافه والمقالات الصحفية المجوفة. تقوم الإلهاءات بتسليط الضوء على مجالات مغايرة للواقع الفعلي الذي يعيشه الجمهور، فتشغله مثلا بثقافات اجنبيه عن بلده وتلوح له دائما بانتاجات ادبية خياله. فينسحق الذهن الجمعي للجمهور بطاحونة الإلهاء، لتبدأ عملية تشويش الصورة التي يتلقاها عن الواقع. والمقصود بالتشويش: هو التدليس، هو اخفاء الارقام والنسب الواقعيه عن المُتلقي الموهوم، هو فرض الاكاذيب حول كل مأساة تدب انيابها في نسيج المجتمع، هو الترويج لافكار ممالئة للموهومين. ومثلما ترسم الشمس ظلالا واضحة على حساب الصخور الراسخة، تُزهي صناعة الوهم البراقة ألوان الخيال على حساب الحقيقة.

إنتهي الامر بعقل جمعي-للطبقة المتوسطة في مصر-لا يرى سوى ذاته. يظن الفرد منهم أنه وأمثاله متفردون هاهنا ولا غير لهم. يحومون في أوهام شريدة بعيدة عن واقعهم المصري الموحش. فالواحد منهم موهوم بأن المعبد يقوم على رسغيه، يقوم كي يُعبد هو، يقوم كي يكفُر هو. فهو الاعمده الهائلة، وهو السقف المبري من الطوب الأحمر يُزينه الرخام البهي. وهو الرمل الابيض الناعم يمس اقدام الفاتنات، وهو العراء الذي يكشف عن انحناءات اجسادهن. وهو حرير العنكبوت في الاركان. وهو الفناء من قبل الوجود ومن بعده. ليس تجلالا بذاته واستهوان بكل ما هو غير بل غفوة عن الواقع ونسيان للحقيقة.

لذلك تنبت أشواك البؤس في عالمهم بسرعة بعدما دُس البهتان في قلب الحقيقة بايديهم. فنيران المأساة تأكل في نعيمهم  كما تأكل النار في الحشائش الجافة. لأن على اعينهم غشاوة، يصيبهم الواقع من آن لآن بصدمات قاسية، تخل منهم الاتزان بالاختلال وتزيح عنهم الفرح بالاغتمام. فثورة في سماوات الرأي تُحلق، قُذفت بحصوة المكر، فانهالت على اصحابها حسرات. وواقع يفرضه عليهم جيشا أو إملاق، يُسرفون من بعده في الفزع. وعالم تواصلي بعدئذ لازال يُغذي الوهم، يتشبثون به كيلا يضيع الواحد منهم في بطن حوت الحقيقة القاسية على من غفلها.



"مأساة متوسطة" قد تتحول فيما بعد إلى شئ أكبر مما هي عليه الآن،
أو قد تبقى كما هي مقالة رأي بلا قراء...

الأربعاء، 11 يونيو 2014

لقد رميتم البخاري بالكفر من قبل!

قام رجل للإمام البخاري يسأله "يا أبا عبدالله ما تقول في اللفظ بالقرآن، مخلوق هو أم غير مخلوق؟"(1)، وهذا السؤال لا يخلو من سوء نية، فالرجل لم يسأل لحاجته العلم، بل سأل إمتحانًا وفحصًا لدين الإمام، لذا اعرض عنه-البخاري-تجنبًا للحرج، فألحّ الرجل بسؤاله مرة بعد مرة، والبخاري يأبى ويتمنع، لكن الرجل ظل يجهر بالسؤال مرارًا، فاضطر البخاري ان يجيب:"القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة"، وهو بذلك يُثبت ضمنيًا أن لفظ القرآن الذي ينطق به المرء ليس إلا مخلوق كسائر الأفعال الانسانية بصرف النظر عن حالة القرآن ذاته من الخلق(2)، فتهوَّشَ القوم الحاضرين وانفضوا من حوله اعتراضًا على مقولته.

وصل خبر الحادثة لمحمد بن يحيى الذهلي(3) فقال "قد أظهر هذا البخاري قول اللفظية واللفظية عندي شر من الجهمية"، وترأس بعدئذ حملة شرسة ضد الإمام البخاري، رماه من خلالها بالكفر، وحرم على الناس حضور درسه، حتى أنه طرد مسلم بن الحجاج(4) من مجلسه ذات مرة لأنه كان يقصد البخاري، وبلغ الذُهلي شأوه حين اعلنها صريحة "لا يساكنني هذا الرجل في البلد"، فاضطر البخاري للرحيل من نيسابور إلى بُخارى(5)-مسقط رأسه-، التي نبذوه منها كذلك بحُجة كفره.

وهكذا، ضاقت الارض بما رحبت على البخاري-الذي صار فيما بعد رجل الحديث الأول، وواضع اسس تصحيح الحديث المعمول بها الى اليوم-فلقد حكموا عليه بالكفر إثر مقولة نبتت عن رأي يراه، استنبطوا منها ما يحاجوه به، وأرادوا أن يأخذوا على يديه بتهمتهم، مع أنها لم تثبت عليه ولن تثبت إلا أن ينطق بها، فهل هموا علموا السر واخفى حتى يجزموا بكُفرِه؟!. والرجل لما سُئل عما فُعل به، ردد قول النبي-عليه السلام-"إيما امرئ قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال، وإلا رجعت عليه"، وفي ذلك الحديث شفاء وتشفية، شفاء من وباء التكفير، إذ يعلمنا بخطورة وضراوة الاتهامات من تلك النوعية، وتشفية لصدور ضحايا تلك الاتهامات، فاليد التي تشير باصبع اتهام واحد تجاه المتهم، تشير بثلاثة اصابع معقوفة تجاه صاحب الاتهام...

الذهلي واتباعه من الحنابلة، ومن ورائهم الكثير من المسلمين، يظنون ان الدين حكرًا عليهم، وأن بقاؤه مرهون بغلوهم في تصنيف الآخرين الى كافر ومؤمن بغير حق، يلوكون في افواههم لعنات الكفر بمنتهى اليسر، دون ادراك لكارثية الخطاب التكفيري، ذلك الخطاب المهيل الذي يضر الاسلام والتدين بل والايمان في صورته المجرده، فهو جرثومة مجتمعاتنا الرجعية، وهو الآفة التي تأكل القلوب وتثير الحفائظ وتهيج البواطن، وتستهوي البسطاء إلى الاقتتال، وتحرم الافراد من حرياتهم في التفكر، وتتعاظم كنتيجة لها الفجوات الفاصلة بين اطياف المجتمع، ناهيك عن تعارض هذا الخطاب مع المبادئ التي ارساها القرآن، من كون الله هو علام القلوب، وكونه هو الحاكم عليها، لا شريك له فيها، فالمتطفل على ذلك الحق الألوهي الخاص يُلقي بنفسه الى تهلكة الشرك والاشراك.

يبدأ منطلق الخطاب التكفيري من الخلط بين الايمان والعقيدة الفكرية، بحجة أن العقائد تلوث الإيمان وتفسده، وأنه لا عبادة صادقة في ظل عقيدة فاسدة، وأن العارفين بالعقيدة السليمة عليهم ان يحسروا الغطاء عمن كفروا بتلك العقيدة بدعوى حماية الدين وحفظه، وذاك الظن يسوء ويوئس، لكونه متضاربًا قائمًا على الأضاد، فالإيمان حركة قلبية، محورها اليقين، تموج فيها المشاعر وتنساب فيها العاطفة، أما المعتقد، فتصرفٍ عقلي محوره الشك، تنحدر خلاله الأفكار وتتصارع معه وجهات النظر. وفي الأثر أن قوم من اصحاب النبي-عليه السلام-سألوه "إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به"، فقال: "وقد وجدتموه؟" فقالوا: "نعم"، فقال:" ذاك صريح الإيـمان"(6)، والنبي بذلك يؤسس للفكرة ذاتها، فعلى سبيل الغلو المحمود، يمكننا القول بأن هدف العقيدة من منظور الإيمان هو اسكات العقل واراحته ريثما تتصل الروح بخالقها.

لذلك كله لا نرى داع لخطاب التكفير، سواء في ذلك تكفير أهل الديانات الاخرى وتكفير اصحاب الرؤى المتباينة للدين-وان كان اختلافها شاسعًا-، فالتكفير-كما ابنا-يخلخل اعمدة التدين ويهشمها، في عصر تتهافت فيه العقول كي تصرع الدين وتفنيه، في عصر يحتاج فيه الدين لمن يلوذ عنه وينقيه مما علق به، بالعقل والحجج، لا بالاستقطاب ولا بتأسيس العداوات ولا بالحجر على العقول.

لقد امترى علىَّ الكثيرون بالكفر، ان لم يكن جهرًا واعلانًا على الملأ، فَسِرًّا، وإلا فالنظرة من احدهم تحمل اتهامًا والف اتهامٍ بالكفر، وهم من حولي يظنون ان بي جنة، أوأنني قد صبأت، كأنما انكشفت امامهم الحجب وعلموا مني ما لا يعلمه الا الله!، وهذا ليس بالجديد، فمن كان البخاري-يومًا-في عينية كافرًا، خليق بأن اكون في عينيه ملحدا!.
في الحقيقة، لا أرى داع لانكار مزاعمهم، فربما هي في محلها، فمن ذاك الذي يعلم قدر إيمانه؟، ويأمن ألا تكون ظنونه كلها عين الغرور؟. فالله وحده هو من يعلم ما توسوس به النفس، وهو علام الصدور، هو من يعرف محل كل انسان من الايمان، فلست انا ولا هم ولا احد سواه جديرا بأن يفصل في موضوع الايمان...
_________________________________________

(1)جرى نزاعًا عظيمًا بين المُسلمين-في مطلع القرن الثالث الهجري-حول خلق القرآن سُمي بالمحنة، والسؤال هنا يدور حول فعل النُطق بالقرآن (كترتيله وتلاوته)...
(2) وذلك الرأي مُختلفًا عن رأي الحنابلة، فـ ابن حنبل حين سُئل عمن قال بخلق القرآن فقال بكفره، وعمن نفى خلق القرآن فقال بكفره، وعمن قال "لفظي بالقرآن مخلوق" فقال"هذا لا يُكلم ولا يُصلى خلفه"، فقد كان ابن حنبل متعسفا بذلك الخصوص وكذلك كان اتباعه.
(3)الإمام الذُهلي، من اكابر علماء الحديث، ومن اشهرهم، يُعتبر استاذا للبخاري ومسلم صاحبي اكبر كتب الحديث.
(4)الإمام مسلم، عالم حديث مشهور، صاحب كتاب صحيح مسلم، ثاني كتب الحديث دقة بعد صحيح البخاري.
(5)نيسابور وبخارى من مدن المشرق الإسلامي.
(6)صحيح مسلم.

السبت، 14 سبتمبر 2013

الشذوذية الجنسية، ما بين اللعنِ والاباحة

إذا لم تكن قد قرأت رواية عمارة يعقوبيان للروائي المصري علاء الأسواني بعد، أو أيا من الروايات المماثلة التي تنقل إليك نتفات من حياة الشاذ النفسية والمادية، فرجاء اقرأ احداهن قبل المثول امام هذه التدوينة.

قبل أن أطلق حكمي النافذ على الشذوذية، أود أن اسرد "على استحياء" أنواعها المختلفه:
أنواعها عده، ومن أشهرها المثليه-لدى الذكور أو الإناث-ومن أكثرها انتشارا الاشتهائيه-اشتهاء صفات معينة في الشريك-ومن أخطرها السادية وخليلتها المازوخية-تختصان بالميول التعذيبيه-ومن أحقرها الفيتشيه-التعلق بأجزاء بعينها من جسد الشريك-ومن أبسطها وأهونها التسفيل، ومن أنواعها أيضاً الغلمانية-الممارسة الجنسية مع الأطفال-والتحرشية-غنية عن التعريف في مجتمعنا العربي-والاستنماء-يطلق عليه أيضاً كـ "مُسمى تاريخي"، العادة السرية-وغيره مما لم نُحط به علماً من الأنواع المختلفة التي تعكس مدى غرابة التكوين الإنساني وبشاعته.

أرى أن، البشر أجمعين ميالون للشذوذ، منهم من يكتفي به فكراً ومنهم من ينتهي به فعلاً، وهم فيه أيضاً متدرجون فمنهم من تدنى لمراحل تتخطى الوصف، ومنهم من اكتفى بخلجة نفسيه في ساعة صفو زاهية.

الشاذ حسبما أرى مريض في حاجة ماسّه للشفاء، له على المجتمع حق، حق الإعانة والمواساة، على المجتمع أن يقدر قيمته كانسان، على المجتمع أن يوفر له سبل الشفاء، وألّا يكل أو يمل في سبيل تلك الغاية النبيلة، في سبيل شفاء المريض!

أما كيفيات علاجهم، فليست هذه التدوينة بمحل تفنيدها، ولعل الله يتيح لنا أن نستطرد في سمات العلاج أواناً لاحقاً.

المجتمعات العربية مجتمعات فاشية، تسب وتلعن اهل الشذوذية أينما ثقفتهم، كأنما ذاك هو دواء الداء الذي يُظن من جراءه الشفاء، فتباً لهذه المجتمعات التي تحتقر مريضاً لمرضه، بدلا من أن تُصغي لآلامه وآهاته فتعينه وتؤهل له مخرجاً من جحره الذي سقط فيه لما بادروه بالإهمال ثم عابوه بالافشال وامروه بالامتثال لازدرائهم من دون وعي بما سيخلفه ذلك في نفسه من الأنين والكره الذي سيدفعه دائماً للانتقام منهم إما بابقائه على ممارساته والتزيد منها أو بنشرها بينهمو كي لا يظل وحده المقبور بظلمات الجهل المتفشية في مجتمعه.

أما المجتمعات الغربيه فـ "حكايتها حكاية"، تلك المجتمعات تدعي أن الشاذ معافى وأن له الحق في التنعم بممارساته الدنيئة الخارجه عن الفطرة، إي نعم الفطرة، فالفطرة ما يسبب النسل لأن النسل عمارة للكون التي هي من بديهيات الأهداف الإنسانية، أما ما عدا ذلك فهو حقاً خروج عن الأصل بل انحراف عنه، ولا داع له، ولا مناص من ضرورة التخلص أو الحد منه على أدنى تقدير.

قد يُخلق أحدنا معاقاً، أو تُصيبه إعاقة ما في طفولته، أو على كبرٍ، حينها يتصرف المجتمع الناضج القويم معه تصرفاً علاجياً تنموياً يحفظ من خلاله كرامة المعاق ويستعيده إلى حظيرة الإنتاج المجتمعية، أما المجتمع الرجعي فهو إما يهين ذلكم المعاق لإعاقته-كما أهل المشرق-أو يصب في خيالات المعاق أوهاماً بأنه طبيعياً وأن حالته تلك ليست باستثناء-كما نرى لدى الغرب "المتحضر"-وكلا الطريقين يزيدا "الطين بلّة" ويهددا الأفراد قبل تهديدهما للمجتمع، فالأفراد حينئذٍ إما مقموعون أو مخدوعون.

أخيراً،
أود أن ألفت انتباه سعادتكم إلى ان بعض مرضى الشذوذية قد ولدوا بحالات فسيولوجية أو سيكولوجية أدت بهم للشذوذية، ومنهم من مارسها في الصبا فنشأ عليها، ومنهم كذلك من "تعلمها على كبر"، وأحيط علم سيادتكم بأن سيكولوجية وفسيولوجية الشاذ تدعم افعالة-بحسب ما توصل اليه العلم الحديث، عليكم بمراجعة الأبحاث العلمية المنشورة بخصوص هذه الظاهرة(2) -لذا فهو هو، وهو ليس بمدعي وهو ليس بمتصنع وهو ليس بساع إلى حالته.

ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء!

بالرابط أدناه، اغنية للفرقة الافرنجيه "ميج"، بعنوان أغنية المجتمع الحزين

==============================================
(1 ) كلمة الشذوذ تُستخدم بكثرة في وصف المثليه بين الذكور فآثرت استخدام كلمة "الشذوذية" لاعبر عن الحالة الأعم والأشمل كما يتضح من التعريف المذكور أعلاه.

(2 ) review (for example) chapter 11 from DSM-IV-TR® Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders

الثلاثاء، 25 يونيو 2013

لماذا الوحي ؟


الوحي كما حدّهُ ابن منظور في لسان العرب "الوَحْيُ: الإِشارة والكتابة والرِّسالة والإِلْهام والكلام الخَفِيُّ وكلُّ ما أَلقيته إِلى غيرك. يقال: وحَيْتُ إِليه الكلامَ وأَوْحَيْتُ."، وعرّفه ابن فارس موجزا فقال في مقاييس اللغة " فالوَحْيُ: الإشارة
.والوَحْي الكتابُ والرِّسالة."، وأراحنا الفيروز ابادي في قاموسه المحيط حين قال "الوَحْيُ: الإِشارةُ، والكِتابَةُ، والمَكْتُوبُ، والرِّسالَةُ، والإِلْهامُ، والكَلامُ الخَفِيُّ، وكُلُّ ما ألْقَيْتَهُ إلى غَيْرِكَ، والصَّوْتُ يَكُونُ في النَّاسِ وغَيْرِهِم، "فلقد أوضح في غير تكلف جميع معاني كلمة الوحي.

في صفحات كل معجم، ترى كما هائلا من السطور التي تصف و تفند و تبحث في أصل كلمة الوحي و دلالاتها و ما تعنيه و كيف بدأت سطحيةً يقصد بها الكتابة ثم باتت عميقة ثريه يقصد بها إسرار الإله بكلماته و خطراته إلى عبد من عباده الصالحين المختارين، و كيف صارت هذه الكلمة تخبر بالكيف، ففي معناها أن الإلهام من الله لعبده يكون من خلال ملك يسمى جبريل، و كأن الله لا يتكلم إلا من خلاله، لكنها اللغة و العادة السائدة فيها، تبدأ كلماتها سطحية تصلح لوصف العديد من الأشياء المتشابهات ظهرا المختلفات بطنا، ثم يسود بين السواد تحديد معناها في شيء أو إثنين من تلك الأشياء، و عبر العقول المختلفة و الثقافات المندمجة تتحدد للكلمة أُطُر و مفاهيم و كيان خاص، و ربما يدخل فيها اللحن، أو يطرأ عليها تعديل فيجعلها أكثر ملاءمة لمحلها، أو يفسدها أصلاً.

 تلك الأطوار المختلفة التي يمر بها الكلام كله –إلا قليلا-تجعل مهمة الباحث في أصل الكلمة و معناها معقدة عسيرة، حتى و إن نظرت إلى المعاجم و القواميس، فذاك غير كافٍ، فالباحث في حاجه ماسه لأن يعرف متى بدأ الاصطلاح و كيف تعدل و لماذا تبدل، و تلك الأسئلة لا توجد لها إجابات شافيه في صفحات المعاجم، بل تجد الإجابة الكافية في كتب التاريخ، إي و الله في كتب التاريخ، فهنالك تقرأ الأخبار المتفرقة و تعلم بكل جديد صار في المجتمع، فتقهم لماذا عدلوا الكلام؟، و ترى بعينك أمورا كانت تمثل أساسيات الحياه اليومية في عصر من العصور و باتت ترفيهيه في عصر تالٍ فتقهم لماذا استغنوا عن كلمة ما؟، ولماذا بدلوا هذه الكلمة؟، لتصير لغتهم أكثر ملاءمة لحياتهم اليومية لا لحياة أجدادهم.




حتى لا أُطيل في الاستطراد وراء الكلام وتحويراته فذلك بحث ضخم لا يسعنا المجال لذكره، فهلم بنا نعود إلى مبتدأ القصد و هو الوحي، كلمة بدأت بسيطة سطحيه عند عرب الجاهلية الأقدمين-أو ربما ورثتها العربية عن الآرامية-، فقالوا أوحى أي كتب وقالوا أوحى أي أخبر وقالوا أوحى أي أشار، ولأنهم أسياد الكلام وخير من يتقن تحويره وتحويله، تبدلت الكلمة، فأكثروا من معانيها فصارت تعني النّار والمَلِّك والوَغى وأصوات الناس وغير ذلك كثيراً، لكن قبيل الإسلام-قبله بقرن أو ثلاثة قرون-، بات للكلمة جوهرا، و باتت تستخدم في سياق معين، ذلك أن العرب قد كثر احتكاكهم بأصحاب الديانات النبوية-أي التي تقوم عقيدتها على النبوة- من مجوس و يهود و غيرهم، وأصحاب ديانات البنوة-تقوم على ابن الإله-كالنصرانية والمصرية القديمة، فالنصارى كان لهم كنيسة النساطرة شرقي الجزيرة و كنائس الروم شمال غرب الجزيرة لا تحصى فسمع منهم العرب، و المجوس و قد حكموا بلاد الفرس فتعاملوا مع العرب في التجارة فسمع منهم العرب أيضا، أما اليهود فغنيٌ عن الذكر أنهم سكنوا الجزيرة جواراً مع العرب، فانتقل اللاهوت العبراني بأسره إلى الفكر العربي-وذلك قبل الإسلام و خصوصا قبيل البعثه-و تعرف العرب من سبل شتى على الوحي، الوحي الإلهي بالأحرى، لم يكن الأمر بهذه السطحية و لم ينتهي عند ذلك الحد، ففي صميم ديانة عرب الجاهلية كانت هناك مناح شتى للنبوة و الوحي، فكان التصور أن الكهان يتلقون أوامر الآلهة عبر معابدهم المتفرقة في أرجاء الجزيرة، و كان منهم –حسبما اعتقدوا-الأنبياء يتلقون الوحي من اللات و العزى و الله-إله المطر حينئذ-وغيرهم ممن عبدوا من الآلهة، نذكر من هؤلاء مسلمة بن حبيب الحنفي (*) و الصحابي-الذي كان أبوه يُعِّدَهُ للنبوة-جبير بن زهير بن أبي سلمى(**) وحنظلة بن صفوان(***) وخالد بن سنان من بني عبس(****) و غيرهم، ناهيك عن أنبياءً عددهم القرآن كانوا في جزيرة العرب كصالح و هود و شعيب-عليهم السلام-، فكثر اعتقادهم بالوحي و كثر وصفهم له، و تحددت معالم الكلمة و نضجت، و بانت المسافة بين معناها الأخير و ما بدأت به، فصاروا جميعٌ-إلا قليل-يقصدون بها ذلك الاتصال بين الإله و البشر المختارين، لينطقوا بكلامه و يبشروا ببشاراته و يتوعدوا بوعيده، مثل الأنبياء و الكهان و الرسل ثم القديسين و رجال الدين من بعد.

ثم جاء الإسلام أو قل نزل القرآن على محمد–عليه الصلاة والسلام-فأخبرنا في الآية الثالثة من سورة النجم "إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" وكثير من المواضع الأخرى التي لا يسعنا إجمالها، لكن الله ثبت وأكد استخدام الكلمة في محلها الجديد الذي أسلفنا توضيحه، ونحن الآن في حل من مناقشة الآراء المختلفة في كيفيات الوحي وآونته، ذلك أن سعينا أصلاً وراء فهم كلمة الوحي في ذاتها لا وراء فهم الوحي الإلهي في الإسلام، فتلك قضية لا يسعنا السعي وراءها هنا.

نستخلص مما سلف ذكره أن معنى الوحي بدأ بالكتابة ثم صار المشافهة فالإسرار وأخيرا الإسرار الإلهي، لكن هل يحق أن تستغل كلمة الوحي في غير موضعها الأخير؟، فليسل المرء نفسه كم من كلمة عُدلت وبدلت لكنه ظل يستخدمها في موضعها الأول أو قل في أحد مواضعها الأولى؟ إجابة ذلك السؤال تشفي البواطن وتغني عن اللغط.

فلذلك سميتها بالوحي، لأنها وحيا بكل ما تحمله الكلمة من معان، فهي كتابة، وهي إلهاما ربانيا، وهي إسرارا بيني ونفسي، فهي خطراتي الخفية التي لا أفصح بها على الملأ، وهي الحق الذي أرى، إن شئت قل هي كـ"الوحي بل أقدسِ و أطهري".(*****)


 (*) اسمه الشائع مسيلمة الكذاب.
(**) هو أخو كعب بن زهير صاحب قصيدة البردة والتي ألقاها في مسجد الرسول وحضرته ومطلع القصيدة:
بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ                    مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُفدَ مَكبولُ
(***) قيل أنه نبي الله إلى أصحاب الرس حسب الآية: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُود) ق-12
(****) يشتبه أن النبي قال فيه "ذاك نبي ضيّعه قومهمن رواية ابن عباس، رواه الطبراني وابن عدي.
(*****)هذه الجملة مقتبسة من البيت الأخير من قصيدة الوحي خاصتي.

المراجع:
المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي، الطبعة الثانية 1993 طبعة جامعة بغداد.
لسان العرب لابن منظور الأفريقي (المصري)،القاموس المحيط و مقاييس اللغة.