‏إظهار الرسائل ذات التسميات تعفن الاسلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تعفن الاسلام. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 12 أكتوبر 2014

تعفن الإسلام، اعادة الإحياء (ب)


"مشروع اعادة احياء الدين، كجزء خاص وحيوي من المشروع الاكبر: مشروع اعادة قراءة التراث، يُمكن تمثيله في عملية قراءة واعيه بمجريات تحرك وتجدد الحالة المجتمعية(كمراعاة ضرورية لنسبية التفهم) تهدُف بالأساس إلى الكشف عن مغزى وفحوى(جوهر)النص الديني متجاوزه عن حرفية النص وظاهره، وذلك اعتمادًا على منهجية نقدية علمية في القراءة: تتبنى الشك في صحة وصلاحية النص المدروس كمحور للتساؤل-خلاف التداول التقليدي للنصوص، الذي يتكئ على النقل ويتسم باليقين والحسم الذهني-، كما تقوم بافتراض خصائص علمانية(1) للنص تُمهد الطريق امام اساليب البحث العلمي المختلفة في تفكيك قوالب اللغة وتحديد "مغزى" النص(2)"



لكي ينجلي الإبهام عن هذا التعريف الجاف، يُمكننا ان نُجري محاكاة(3) له على مسألة ما، ولتكن مسألة "السحر والحسد": يتخذ مسلمو اليوم الكثير من الاحتياطات لدرء شرور الحسد والعين، وهم يُنشئون ايمانهم بوجود وبضراوة الحسد على انه ذُكِر بالقرآن. وبلُغة هذا المقال نقول: انهم يستندون في تدينهم بالحسد إلى ظاهر النص القرآني. والمُسلمون في الوقت ذاته يتنكرون للأيمان بالسحر، بل ويستجهلون الدجاجلة والعرافين ومن يلوذ بهم، على الرغم من ان المحل الوحيد الذي ذُكرت فيه كلمة الحسد بمعنى العين التي تضر في القرآن قد لازمتها كلمة السحر بمعنى الشر الذي يزاوله المشعوذين (سورة الفلق، في قوله: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ. فالنفاثات في العقد هن الساحرات)، اما بقية المواضع التي استخدمت فيها كلمة الحسد فمجازا بمعنى الحقد والضغينة (مثل البقرة 109)، وكلمة السحر لم تُذكَر إلا في سياق القص التاريخي (مثل البقرة 102) (4). هُنا يأتي طرح مشروع اعادة القراءة بعقد موازنة بين واقعنا المعاصر الحافل بالمنجزات المادية وبين زمان الوحي الذي عمت فيه الخرافة والاساطير، فيتجلى امامنا ان استحضار دلالة السحر والحسد في القرآن كان اخذا وردا على مجريات البيئة العربية آنذاك، وهكذا، دائما تبدأ حركة المشروع من ارضية علم الرواية(5) ثم تنطلق في آفاق علم الدراية كاشفة عن المغزى الكامن وراء النص الحرفي، ثم تترك الباب مفتوحا لمجريات قولبة هذه الفحوى في سياق تقدمي حداثي، لئلا يكون الدين عائقا عن التقدمية ولكي لا تدفعنا التقدمية إلى تنحية الدين.

وبفضل هذا المنوال التدرجي: دراية\مغزى\مسايرة، يستحيل ان يُتهم المشروع بانه دعوة تلفيقيه تعمد إلى تلوين النصوص(6)، فعلى النقيض من المحاولات التلفيقيه التي تبدأ من الايديولوجيا ثم تُجري عملية اسقاط ايديولوجي على نصوص الاسلام (مثل بعض التأويلات التي تعمد لتقبيح صورة مِصر من خلال القرآن-سورة يوسف بالتحديد-واعتماد البعض الاخر على نفس السورة في اثبات ان مصر بلد الامن، وكلا الموقفين التلوينيين من السورة يعمد إلى اهدار البعد القصصي والتاريخي في السورة، التي تهدف بالأساس لسرد سيرة احد الانبياء، ولا دخل لها بأمن مصر ولا بظلم حُكامها)، فالمشروع يبدأ نهجه بالتعامل مع النصوص الاسلامية تحاشيا وتجنبا للتلوين.
_____________________________
(1) برغم ان مصطلح العلمانية صار مثيرا للذعر في مجتمعاتنا العربية، كنتيجة لابتسار العلمانية في "الفصل بين الدين والحياة" من قبل القوى الاصولية-التي تُغذي ادراكنا بابتسارات متعمده هنا وهناك، فالعلمانية والماركسية والداروينية محض إلحاد، دون إلمام حقيقي بالدلالات الاصلية وراء هذه المصطلحات-. ونحن لا نعفي العلمانيين العرب من المسئولية عن هذا التشوية، فلتصرفاتهم المختلة دور كبير في تزييف الوعي العام. إلا اننا-برغم ذلك كله-نُصر على استخدام المصطلح في محله الاصلي: فللمصطلح دلالته على التعامل مع الامور بصفتها جزءا من هذا "العالم"-مصدر اشتقاق كلمة العلمانية-، مُهمشين-اثناء اجراء الدراسة- اي دور ميتافيزيقي في القضايا المدروسة.
(2) للاستفاضة حول مشروع اعادة القراءة والتعمق في آلياته، راجع الباب الثالث من كتاب "نقد الخطاب الديني" للدكتور نصر حامد ابوزيد.
(3) نقول محاكاه ولا نقول تطبيق فعلي، لان التطبيق الفعلي لعملية اعادة القراءة ينبني على اسس علمية بحثية تستغرق فترات زمنية طويله وجهد شاق عسير يبذله اصحاب العلم والمعرفة. ناهيك عن ضيق المساحة، والطبيعة الإيجازية لهذا المقال.
(4) راجع "الفن القصصي في القران لـ محمد احمد خلف، حتى تتبين من دلالة ذكر الفاظ معينة في القصص القرآني.
(5) يشمل "علم الرواية" على كل ما يتعلق بالقوالب اللغوية والاسانيد واسباب النزول واحكام النسخ وغيره من الامور التي تُساهم في تكوين وعي حقيقي بمدلول النصوص، اما علم الدراية، فيختص بتوضيح هذا المدلول.
(6) للاستفاضة حول الطبيعة التلوينية والتوفيقية لبعض مُحاولات احياء الدين، راجع الباب الثاني من كتاب "نقد الخطاب الديني" للدكتور نصر حامد ابوزيد.

 ،

كثيرا ما يَحتَّج ذوي الدعاوى الاصولية على مشروعية قراءة النصوص الدينية بأسلوب نقدي يفترض لها خصائص علمانية: بحكم ان هذه النصوص إلهية المصدر، لا يجوز التساؤل حول صحتها، وإلا مسسنا قدسية هذه النصوص، ولا يحق لاحد ان يزعم علمانيتها، فهي بالفعل تنتمي لعالم ميتافيزيقي يحتوي عالمنا المادي كجزء منه.


ــ أولا: إن التساؤل النقدي في التعامل مع النصوص الدينية ليس تساؤلا حول صحة النص ذاته، فهذا الامر ليس بجديد، بل هو مُتبع لدى المسلمين منذ زمن طويل، لكن محور الشك الحقيقي في هذه الدراسة يختص بالدلالات المُستنتجة من النص، والتي تعتمد كليا على المعلومات المحيطة بالنص (علم الرواية)، وعلى العقول المُستفهمة عن معنى النص، فالدراسة النقدية لا تمس الدين بقدر ما تُجري ميكانيكياتها الفحصية على التدين.

ــ ثانيًا: إن قدسية الشيء مُرتبطة بتقديسنا اياه، فلا وجود لمقدسات مُطلقة-كما يتضح من فقرة نسبية التفهم-، لذلك تجد بؤرة التقديس تضيق وتتسع بحسب وعي الافراد، فبينما يُدرك القليلون ان الحقيق الوحيد بالقداسة هو الالهي المطلق، يمدُ الاخرين دائرة قداستهم لتشمل نطاقات بشرية (مثل تقديس اقوال الفقهاء والقديسين). الجدير بالتأمل هنا هو ان الفرد ما دام هو مصدر التقديس، صار هذا الفرد قادرا على تقرير مُقدساته، ومن غير المعقول تماما ان نُصدق ان ثمة دراسة-وان كانت نقدية-لنص ديني مُقدس تستطيع ان تُزعزع اركان قداسته المُترسخة في النفوس!

ــ ثالثا: يتغافل الاحتجاج بشكل عمدي عن البُعد البشري في النصوص ليُبرز الجانب الالهي ويجعل الاخير يطغى على الاول، والواقع يُملي ان النصوص تحتوي الشقين، فكما قال الامام علي رضي الله عنه: هذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين. لا ينطق. إنما يتكلم به الرجال، فنحن دائما ما نستند للعقل البشري في إدراك دلالات اي نص، لا سيما النص الديني، فالطابع الرسالي للقرآن يجعله كتابا مُستفهَم عن دلالاته بواسطة العقل البشري. فاذا عزلنا العقل تماما عن النص، استغلقت النصوص واستحال فهمها. وما دامت هناك تفهمات عدة لدلالات النصوص، فلنا ان نقول إن العقل البشري-شئنا ام أبينا-"كان" و"لا يزال" يستفهم عن دلالة النص (فلا مجال للقول بتحريم إعمال العقل في نصوص القرآن إذًا!)، والسجال هنا يدور حول كيفية استخدام هذا العقل: هل نعتمد العقلية النقلية التي تركن إلى ما استنبطه السلف والذي-قطعًا-يرتبط بمجريات زمانهم؟، أم نعمل على استغلال الميكانزمات النقدية الحديثة التي تبني جسرا متينا بين الواقع ومغزى النصوص؟

وكمزيد من الايضاح نقول: ان الفكرة الإلهية في الوحي تقولبت منذ البداية في اللغة العربية، وهي لغة بدلالاتها وقوالبها الصرفية والنحوية، لُغة بشرية. حتى وان افترضنا جدلا ان اللغة العربية لغة ذات طابع إلهي، فان هذا لن يُغير من الامر شيئا، فالعقول المُستفهمة عن دلالات هذه اللغة العربية-كما ابنا-لا تزال عقولا بشرية تنتمي الى هذا العالم ومادته. اذن فالإلهي(الفكرة)قابع في البشري(اللغة)، فالأول يتصرف حتما تبعا لخصائص الثاني. ناهيك عن تاريخية تلك النصوص، والتي تتجلى في علاقة ديالكتيكية(1) بين الإلهي والانساني، فدَفعةُ الوحي اولا من الإلهي، ثم ردة فعل استفهامية من البشري تُغير في دلالة المعنى وتحوره، ثُم حادثة تاريخية مُرتبطة بالواقع المادي، يُعلق عليها الوحي بالرد فيصير الالهي متأثرا بالإنساني، وهكذا دواليك، حتى بعد نياحة النبي-عليه السلام-بقيت العلاقة الجدلية قائمة: فالمئات من المُفسرين والناقلين لأقوال وافعال النبي البشرية تجاه الوحي الالهي، الذي تأثروا به أولا، ثم اثروا فيما نقلوا بأفهامهم البشرية حين علقوا عليه، والجانب الالهي يلعب دوره من خلال خطرات خفية بين الحين والاخر تَرد إلى عقول المُستفهم البشري(تلك الخطرات التي اعتزت بها ومجدتها جماعات الصوفية)، وهكذا تباعا حتى وصلتنا تلك النصوص...التي آن الاوان لأن يتم تحليلها بأسلوب علمي يضمن لنا استنباط جوهرها الإلهي وتحاشي ظاهرها البشري...
______________________________
(1) العلاقة الديالكتيكية، او العلاقة الجدلية، هي العلاقة بين امرين يتبادلان ادوار المؤثر والمؤثر عليه، حيث لا علاقة سببية مباشرة بينهما.


 ،

قبيل منتهى القرن الرابع عشر، شرعت الطبقة الوسطى الاوروبية في مناهضة الثيوقراطية الكنسية التي اطبقت السيطرة على كل منافذ السلطة، وبلغت سطوتها الروحية شأوا بعيدا، فنتجت عن هذه الحركة المقاومة للكنيسة انجازات متعددة في كل المناح لا سيما منحى الفلسفة المادية التي سعت نحو الانسان (بدلا من السعي نحو الميتافيزيقا، السمة الرئيسية لفلسفة القرون الوسطى) (1). ومن المعلوم ان الاوروبيين استجلبوا-في هذه الآونة-الكثير من المنجزات الاسلامية-الادبية والفكرية-التي ساهمت بشكل هائل في اسراع حركة النهوض، لأنها منحت دعاة النهضة قدرة عقلية على تحطيم اغلال الفكر الديني التي طالما عرقلت خروجهم عما ألفوه في عصور الظلام. هذا الاستيراد لم يتم في صورة نقلية سمتيه، فلم يكتفي ادباء وفناني وفلاسفة فلورنسا(2) بترجمة الواردات الشرقية إلى لغتهم، بل قاموا بتوليفها مع ادراكهم الغربي، الذي شعر بالغربة تجاه عبارات ابن رشد(3) وبالحنين تجاه امجاد العصر الهيليني(4) الفلسفية والحضارية، فبحثوا مُجددا في موروثهم الثقافي-اليوناني والروماني-مُعتمدين في تحليلاتهم واستنتاجاتهم على الادوات العقلية التي اتاحتها لهم الفلسفة الاسلامية. لهذا يُسمى عصر النهضة بالـرينيسانس" (تسميته الافرنجية، Renaissance)، الكلمة المُشتقة عن الجذر اللاتيني renasci(5)، ومعناه: اعادة الولادة، او اعادة التكوين، او بالأحرى ... "اعادة القراءة"، ففصل اعادة احياء التراث يُعد الفصل الاكثر اهمية في عصر النهضة، والرجاء ان يُحاكيه في الأهمية مشروع اعادة احياء الاسلام...
_________________________________
(1) هناك مبحث مُختصر ورائع بخصوص عصر النهضة في الفصل السادس عشر من رواية عالم صوفي لـ جوستاين غاردر.
(2) فلورنسا، مدينة في الجزء الشمالي من وسط إيطاليا، كانت أولى المُدن الأوروبية التي اسهمت في عصر النهضة.
(3) ابو الوليد ابن رُشد، فيلسوف اندلسي مُسلم، عاصر دولة الموحدين (القرن السادس الهجري)، تُعتبر مؤلفاته عنصرا اساسيا ساعد على اندلاع الفكر العلماني في اوروبا، وخصوصا كتابه فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال الذي دعم الدعوة لفصل الكنيسة عن الدولة بالبرهان الذهني.
(4) العصر الهيليني (يُطلق عليه ايضا اسم الحقبة الكلاسيكية)، القرن الرابع قبل الميلاد، عصر تميزت فيه الفلسفة اليونانية وسادت العالم، ولقد كانت حركات اوروبا تجاه التقدم بمثابة محاولة لاستعادة امجاد ذلك الزمان.
(5) انظر اصل كلمة رينيسانس في ايا من قواميس الايتومولوجيا Etymology.

 ،

بقي شيء...

بقي ان نشيد بهؤلاء المسلمين الذين لا يتاجرون بدينهم، الذين يوقنون بطبيعتهم البشرية ويعلمون حق العلم انهم لا يمتلكون الحقيقة المطلقة، الذين يتواضعون بحق امام الجماهير، فلا يخادعونها بمكر دميم فيدلسوا عليها الحقائق متحججين بحجج واهنه كضعف عقول الجماهير او سذاجتها، او ان تنويرها خطأ جثيما!، فهؤلاء-الذين نشيد بهم-لم يلعبوا دور الوصي على الجموع الغفيرة عكس ما تفعل غالبية الجماعات الاسلامية. الزعامة التاريخية: في هذه الاشادة، لجماعة المعتزلة التي انسحقت في محاولة مبكرة لتنوير العقول الاسلامية قبيل نهاية القرن الثالث الهجري، ورؤوسها امثال واصل بن عطاء والجاحظ وغيرهم قد سبقوا العالم كله في التطلع إلى البحث النقدي في امور الدين والدنيا. والزعامة الروحية: فلرؤساء التصوف الذين ألهبوا ارواحنا شوقا وحبا تجاه الذات الالهية، وقدموا لنا نقله حقيقية في نظرتنا للخالق، على انه الحبيب لا الملك المتجبر العنيد. والزعامة الشعبية: تتمثل في هؤلاء التنويريين الذين ارسلهم الله لامتنا على رأس القرن العشرين، امثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد مصطفى المراغي وشيخ الأزهر الأسبق شلتوت وعبد العزيز جاوي ومحمد فريد وجدي وعلي عبد الرازق وغيرهم وغيرهم من الذين بثوا نفحات التعقل في اذهان جماهير الامة ومهدوا الطريق بحق لتلك الدراسة النقدية التي ننادي بها اليوم بغير تخوف او ذعر. اما الزعامة العقلانية: فلجماعتنا، جماعة المتحررين، التي بدأت صراعها العتيد مع الاصولية في الربع الاخير من القرن الماضي، والتي شرعت في تحويل الصراع الدائر مع الاصوليين إلى الدراسة النقدية العلمانية وتخلصت-اخيرا-من الدوران في دوائر التلوين والتلوين المضاد للتراث، فاستطاعت اخيرا ان تكشف بمرآة العقل النقدي والتحليل المنطقي عن زيف الدعاوى الاصولية وحماقتها، فرفعت الاصولية سيوفها ايذانا بالحرب التكفيرية-التي وصلت لحد الاغتيال-على رواد حركة التحرر، الذين ابوا-بدورهم-إلا استمرارا يؤمن جوهر الاسلام من شرور اعداؤه الحقيقيين، وحال هؤلاء الاصولييون بعنادهم كحال من نزلت فيهم الآية الكريمة: 

"وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ" (البقرة، 170)



      إنتهى


تعفن الإسلام، اعادة الإحياء (أ)


"لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ.... وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ" (آل عمران، 181)
نزلت هذه الآية تنديدًا بفهم اليهود "الحرفي" للقول القرآني:                                                         
                                                  "مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا" (البقرة، 245)


لم يعد هناك مجالًا للجدال حول تعفن الديانة الإسلامية(1)، إثر ركودها وجمودها على صورة الماضي وشبهه، و إثر اصرار المتحدثين باسمها على صب الحاضر في سبيكة الماضي، مظهريًا وقشريا فقط، دون حتى التعمق إلى جوهر الماضي وفحواه، بل بالوقوف عند سمته، لغته وازياءه، مسمياته وتشريعاته، الأمر الذي-إن استمر-سيكتب بخطوط عريضة كلمة النهاية في سيناريو الاسلام، وربما الايمان عموما، ذلك اننا نُقر بأن رُكنا قيمًا في منظومة الايمان التاريخية والعالمية هو دين الاسلام، وبفقدانه تتفكك بقية الاركان الإيمانية، سواء في ذلك الاديان الاخرى، أو فكرة انتشار الايمان في حد ذاتها. لكن الامل يحذونا تجاه اعادة احياء الاسلام من جديد، حتى يرتد إلى حالته الجوهرية الأولى، التي يتغنى بروعتها الاصوليين ودعاة التجمد، دون إدراك حقيقي بمغزاها. ذلك المغزى الذي هو غاية سعينا في عملية اعادة الإحياء، العملية التي يُرجى من جراءها ان يستعيد الدين مكانته الأصيلة ومكانه الاصلي. والظن يغلبنا بان هذا هو الطريق الاسرع على الاطلاق، تجاه تقدمية المسلمين-التي استعصى تحقيقها رغم كفاح استمر عدة قرون-، نظرًا لأن الاديان-عموما-تمتلك كما هائلًا وعريقًا من الوقود الشعوري لدى شعوبها، هذا بالإضافة لقيامها بدور المخزون الثقافي\الادراكي لمعظم الافراد في المجتمعات المتدينة. فلا حرج في الادعاء القائل بان مشاريع النهضة في هذه المجتمعات لا بُد ان تستند إلى الدين كمولد للطاقة المستهلكة في عملية "النهوض" وكمفتاحًا لحل الغاز الادراك والاستيعاب المجتمعية. الخلاف الجذري هنا ينحسر حول مادة الدين، خصوصا ان "الخلط" بين الدين والتدين (الفكر الديني) يُعد سمة اساسية من سمات المجتمعات المسلمة.


يستمد التدين (الفهم الديني) من الدين (النصوص، والشعور الجماعي) مشروعيته في صورة تدعيمات ثلاث اساسية: التدعيم الروحاني (علاقة الفرد باللاهوت) والتدعيم الاخلاقي (علاقة الفرد بالأفراد) والتدعيم التشريعي (علاقة المجتمع بالفرد). تسود على ساحات التدين المعاصرة-بل والتاريخية-منهجيات اصولية تقوم بإنشاء تصور للدين على انه وحده شامله. تدعي كل من الجماعات الاصولية-مثل السنة والشيعة، الارثودوكس والكاثوليك، السلفيين والاشاعرة، الجهاديين والوسطيين-انها هي المُمثل الوحيد لهذه الوحدة الدينية، مُهدرين بذلك "الواقع النسبي" الذي يتمثل-بأدنى تقدير-في الفارق المهول بين تدين كل جماعة والاخرى. بهذا الخلط بين تدين الجماعة (فهمها للدين) والدين نفسه، تنجرف كل الجماعات الاصولية إلى هوة الحديث باسم الله، ففي عصور الظلام لعبت كنائس الكاثوليك هذا الدور، وفي الزمن الراهن يؤدي الدور ذاته مشايخ الوهابية ووعاظ الازهر ومن على شاكلتهم.

يهُمُنا الآن ان نشير لأن استحواذ التيارات الاصولية على النصيب الاكبر من الاتباع والابواق الاعلامية ومراكز السلطة-التنفيذية والروحية-على مر التاريخ، لا يوفر لها حصانة من النزاع، ولا يُمكن ان يُتصور انه-الاستحواذ-يحسم النزاع حول مادة الدين لصالح الاصولية: ذلك ان ترشيح النفوذ الاصولي للصدارة قد تم بواسطة عوامل سياسية واجتماعية شتى(2)، إذا فالأمر ليس عملية ترشيح هيجلية(3) نستدل منها على رجاحة المُرَشح المُتصدر.

يتصدى الفهم النسبي للدين لفخ احادية الفكر الذي تروج له الأصولية، مثلما يتصدى للجمود الديني الذي يحكم المجتمع بسياج الرجعية والتخلف. فهو يفتح الباب لاستيعاب حقيقة تعدد الافهام لمادة الدين من ناحية، ومن ناحية اخرى تجده يُلزم منتهجيه بتطوير وتجديد الفهم الديني في عمليه دؤوبة مستمرة، نُطلق عليها اسم "اعادة الاحياء". ولعل تصور الغالبية من المسلمين تجاه العبودية يُعد مثالًا "طريفًا" على نسبية التفهم الديني: فالعبودية التي أحلها الاسلام في نصوصه، واباح في جانب مركزي منها مناكحة ملك اليمين، يُبرر الاصوليون-المتطرفون والوسطيون-للإسلام هذا الموقف بحكم انه مهد للقضاء عليها! تجد المشايخ يحللون بعقلانية "غير معتادة"، كيف اضطُر الاسلام إلى اقرار العبودية وكيف ساهم-في الوقت ذاته-في الحد منها حينما أرغم السيد على احترام حقوق عبيده، وهذا الاقرار الاضطراري-برأيهم-يُدلل على واقعية الاسلام، فهو ابن بيئته الذي يأخذ ويرد عليها دون افراط في المثالية بعيدة المنال. والحق يُقال، إن هذا التصور النسبي الذي يُراعي المسافات الاجتماعية بين زمن البعثة النبوية والقرن الواحد والعشرين هو محل دعمنا، فنحن ندعو إلى تعميمه ليشمل كل النصوص الدينية، قرآنا وسنة وفقه وغيره!، وليشمل كل النسبيات المعروفة، من زمان مختلف ومكان مختلف، واسس حضارية مختلفة، بل وإدراك فردي مختلف (يتجلى بوضوح-كما أسلفنا-في تعدد الجماعات الاصولية وتناقض افكارها مع بعضها البعض).

الطريف هنا-في مسألة العبودية-ان الاصوليين يناقضون أنفسهم ويعارضون طرحهم النسبي ذلك(4) حين يقابلون بالرفض اي محاولة لتعميمه، فهم على سبيل المثال يستنكرون-والبعض منهم يُكفر-كل نظريات الحكم المعاصرة-من ديمقراطية وشيوعية وخلافُه-ولا يثبتون سوى الاحتكام للشريعة كالنظرية الوحيدة "الحلال" في ادارة شئون الامة، بالرغم من كون احكام الشريعة مجرد مجموعة من الدوال-العقلية والدينية-في مجريات زمان السلف الصالح. لكنهم يُصرون على صلاحيتها-دون مراجعة-لكل الازمان، كأنما تمت لهم معجزة نسف وسحق كل المسافات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بين زماننا وزمان هذا السلف.



هذا التناقض مع الذات-رغم طرافته-يبرهن على ذيوع الفكر التبريري بين اتباع ومشايخ الاسلام الاصولي الذين ربما انسجموا عنوة مع استقباح فكرة العبودية الذي شاع بالعالم كله، فأذاعوا بأبواقهم تبريرات تعتمد بالأساس على تفهم نسبي هم يرفضونه في اي خصوص آخر. ولا عجب، فالركون لمثل هذا التناقض حال طبيعية لمن اعرض عن الوعي والتفكير متخيرًا الوعظ والتبرير.

إن النصوص الاسلامية حين تُحرم الخمر على ثلاث مراحل مراعاة للفجوة بين ارض الواقع(البيئة العربية اوان البعثة) والغرض التنموي(تحريم الخمور)، انها-بهذا التدرج-تمارس دربا من التفهم النسبي الضروري لتجنب الارتطام بارض الواقع، خلاف ما يحدث لكثير من الجماعات الاصولية-ومثلما هو متوقع حدوثه مع الجماعة الاصولية "داعش"-الارتطام الذي تضطر معه الجماعة للتخلي عن جزء كبير من اصوليتها مثل تعرضها لضغوط سياسية او مجتمعية عنيفة، فتضطر الجماعة حينئذ للاعتماد على منهجية براغماتية-نفعية-غير معلنه، تخدم في الخفاء ايديولوجيات ذوي النفوذ السياسي (مثلما الحال مع مؤسسة الازهر) او ايديولوجيات الدعاة والوعاظ (كما تفعل الجماعات السلفية). تأتي بعد ذلك منهجية التبرير كعملية "تلصيم" بين البراغماتية الغير معلنة والأصولية المعلنة-كما ابنا في قضية العبيد-، والنتيجة الحتمية لمجموع السيناريوهات المطروحة هو ان تخرج افكار الجماعة للعالم في صورة مكون حضاري ذو جوهر مختل متناقض اشبه ما يكون بلحم الجنين المتفسخ، لكنه يُحقق رضا وغبون جماهيري واسع، فقط لانه يركن-بغير وجه حق-إلى الشعور الديني الجماعي لدى الجماهير، حين يشوش على المساحة الفاصلة بين الدين وبين انتاجه الفكري او بعبارة اخرى بين اصوليته المدعاة وبين نفعيته المُنتهجة.
___________________________________
(1)ناقشنا في تدوينة تعفن الإسلام مُسببات ومُقتضيات هذا التعفُن بتفصيل حسن.
(2) مثلما سيطر الفكر السلفي على المجتمع الاسلامي بعد وصول الخليفة المتوكل لسدة الحكم، الرجل الذي كان يُعادي رموز الدولة ذوي التوجه الاعتزالي والتوجه الشيعي (راجع ما حكاه عنه السيوطي، في "تاريخ الخلفاء" صفحة 346)، فكان هذا المتوكل سببًا في اضمحلال هذين التوجهين و"ترشيح" الفكر السلفي ترشيحا سياسيًا لا عقلانيا.
(3) جورج فيلهم فريدريش هيجل، رائد الفلسفة المثالية في المانيا، قدم نموذجا معياريًا لتطور الفكر البشري عبر التاريخ.
(4) الراجح عندنا ان هذا الطرح المُتَعقل قد تم تصديرُه للأصوليين من قِبَل التنويريين في مطلع القرن العشرين، حينما انطلقت الشرارة العالمية لمحاربة العبودية، وحينما كانت الغلبة المجتمعية للتنويرين.

 ،

ان الوعي المجتمعي في حاجة مُلحة ومستمرة لان يركن إلى مجموعة من الثوابت والاعراف الاخلاقية\الدينية\الوطنية حتى يتوفر للأفراد معايير رئيسة يؤسسون عليها استحسانهم او استقباحهم للأمور. هذه الثوابت-في الواقع-يتم انتقائها من بين مجموعة المبادئ والقيم المختلفة والمتنوعة، والتي لا يُمكن وصفها بالثبوت، بحُكم ان كُل شيء متغير. لكن المجموعة الجزئية التي تسمى بالثوابت لدى مجتمع ما، تتسم بصفة التوافق والمسايرة لخصائص هذا المجتمع بالذات-كحالته التاريخية مثلا-، فهذه الثوابت تسير بسرعة نسبية ضئيلة بالنسبة للعربة التي يتنقل عليها المجتمع. لذا فهذه المجموعة من القيم، "بالنسبة" لهذا المجتمع ثابته تقريبا. فمن ثم، يُمكن الجزم بان التعامل مع ثوابت مجتمع ما على انها مُطلقة وأنها ثابته في ذاتها، يُعد من باب التطاول على القوانين الحاكمة للكون، التي تُفيد بديمومة الحركة واستحالة السكون. قد يبدو هذا الادعاء كأنما هو دعوة للتخلي عن الثوابت واقصاؤها، لكن الدعوة الحقيقية هنا، هي دعوة إلى الالمام بالماهية الكامنة "للثوابت"، حتى نتمكن من التعامل الايجابي بها ومعها. فمن يُقر مثلا بان الاوراق النقدية ليست نقودا حقيقية(مُطلقة) بل هي محض احتيال مجتمعي لتسهيل الاجراء التجاري والاقتصادي، لا يُنكر بالضرورة اهمية البنكنوت، واقراره هذا لا يُمثل انقلابا عليها.

ومعاودة لحديثنا عن الثوابت المجتمعية، ندعي اننا-افراد المجتمع-كذلك مُلزمين بمُراجعتها لكي نتبين من "ثبوتها"، تجنبا للخطر المداهم الذي ينتج عن الركون لمبادئ وقيم تتحرك بسرعة تتباين عن سرعة عربتنا المجتمعية، فحينئذٍ سنُستهلك في محاولات مواكبة عوالم غير عالمنا: كمسايرتنا العمياء مثلا للغرب، او كاجتهادات البعض منا في محاكاة الماضي البعيد بُحجة اتباع منهج السلف الصالح.

حالة التشكيك في الثوابت الوطنية والقومية التي ذاعت بعيد ثورات الربيع العربي، تَدُل على رجاحة الدعوة إلى اعادة تقييم الاعراف والثوابت. فكنتيجة لانكشاف زيف الدعاوى الوطنية التي تخلط بين الوطن والدولة القائمة على حُكمه، اعاد الكثيرون من العرب النظر في وطنيتهم، وبالرغم من ان عملية المراجعة تمت بشكل غير مُتزن ادى بالبعض مثلا إلى اهدار قيمة المواطنة-فحال هؤلاء في التطرف كحال من يدعون لتهميش الاسلام كردة فعل على من يدعون لأسلمة الفنون والآداب-، إلا انها-مراجعة الدعاوي الوطنية-تُمثل بوضوح حالة الركون إلى مُتحرك باعتباره ثابت، وما ينتج عنها من آثار سلبية.


 كذلك تحتاج الاعراف الدينية لمراجعات ضرورية، تضمن مُطابقة التدين المُعاصر للجوهر الاصيل للدين، من خلال تعديل "صورة" الاحكام الدينية لتُساير الركب الحديث مع الابقاء على جوهرها، فالجوهر هو الاتجاه الذي خطا الاسلام اليه في زمان الوحي، اما صورة الاحكام الواردة في النصوص الدينية فهي بمثابة اخر خطواته، ولعله من السهل لكل ملاحظ ان يكتشف ان البشرية قد سرت اميالا طويلة بعد زمان الوحي، لذا يجوز الادعاء بأن من يُبقي على الاحكام في صورتها النصية، هو المخالف الحقيقي للشرع الاسلامي، فهو يسير تماما في الاتجاه المعاكس للاتجاه الذي خطا إليه الوحي. ومثالًا على ذلك ما فُرض بنص القرآن من حدود لجلد الزناة وشاربي الخمر-الذين انفضح امرهم-، وحدود لرجم المفسدين في الارض: فهذه الاحكام النصية تستتر وراءها الدعوة الى عقاب المخطئ المُعلِن عن خطأه وكذلك الداعي لممارسة الخطأ، كجوهر إسلامي صريح. وحين نرغب في مُحاكاة هذا الجوهر، علينا وقتئذ ان نُعيد تقييم المُخطئ والداعي للخطأ بمعايير وثوابت اليوم (فعلى سبيل الجدل ربما توجد حالة مجتمعية خاصة لا يُخطَّأ فيها شارب الخمر)، وكذلك يجب علينا ان نتجنب فخ الالتزام الحرفي بصورة العقاب (فالجلد والرجم والصلب ليسوا سوى ادوات عقاب تنتمي إلى زمن الوحي).

      يُتبع

الاثنين، 8 يوليو 2013

تَعفُّن الإسلام


خرج محمد-صلّى الله عليه وسلم-على أتباعهِ بدينٍ حنيفٍ، آتاهمو القرآن الذي تمّم لهم مكارم الأخلاق وأعجْز ألسنتهم، وحرضهم بصريح العبارة على جهاد الكافرين، فغلبوا الروم وأطاحوا بالفرس واندفعوا في الآفاق يقوضون العالم ويسودونه، خرجوا من هامش التاريخ إلى صدارته، فتمكنوا من العالم القديم جُلّهُ، حتى قال أحد الأمراء الفاتحين في حديثه وملك الصين "أول خيلنـا فـي بلادك وآخرهـا فـي منابـت الزيتـون"(1)، ولمّا استتب الحكم الإسلامي بين الورى، مال العرب عن الحرب قليلاً وانشغلوا بمدنية الإسلام يعززونها.

فامتزجت ثقافة العرب البدوية البديهية بثقافات الفرس والهند والروم وغيرهم من الأمم التي انصاعت لحكم الإسلام، فخرج لنا مزيجاً مذهلٌ آنذاك، مزيجٌ عبّر بصدقٍ عن كُلِّ عناصره، له عيوب تُزامل مزاياه لكنها لا تُضاهيها. فذاع بين سَرَاة الناس نزاعاً فكرياً حاداً في كل كبيرةً وصغيرة، يَهمُنا منه الآن النزاع العقائدي الذي انبثق-جزءً كبيراً منه-من الصراعات السياسية فخوارج يروّنَ أن الحكم لله وشيعة يرون الولاية في بني هاشم، ومُرجئةٍ يتجنّبون السياسة بعقيدتهم(2)، ثمّ مُعتزلة أرستقراطيون يطنِبون في الكلام العقائدي، ينقلون عن أرسططل-أرسطو-وفقهاء الفلسفة اليونانية فلسفتهم، فيُحيلون ويحتالون، وأهلُ سَلفٍ لديهم النقل أعلى من العقل، ثم أشاعِرة يتخيّرون لأنفسهم موقفاً وسطاً بين المعتزلة والسلف-المتطرفين-، وكثيرون غيرهم لا يَسعُنا ذكرهم. نشأت تلك الفرق تباعاً وتنازعت فيما بينها البعض نزاعاً تجده هادئاً يتّخذ شكل المناظرات والمناقشات في المساجد أو بيوت الخُلفاء حيناً، وتجده عنيفا قاسياً تُسفك لأجلهِ الدماء ويُأجج نيران الفتن ويُشعلُ الحروب حيناً آخر.


مرّ الإسلام بظروفٍ شتّى عبر الزمان، فانتصارات تَعقُبها هَزائم، وأيام زهوٍ مُضيئة تتبعها ليالِ جهلٍ معتمة، آونة يكون الإسلام منار التحضر والعدل للعالم، لكنه تدور عليه أيامه فيصير معتنقوه عبئاً ثقيلا على العالمين، كُلّ هذه التغيرات التي تعرض لها الإسلام أوّفرت منه القليل، ففي آونة الهزيمة تُحرق كتب المسلمين بأيدي أعداءهم-كما أحرق التتار مكتبة بغداد 656هـ -، وفي آونة الظلم وبطش الحكام تُكمّم الأفواه كي لا تُصرّح بالحق، فيَضمُر-الحق-ويَذيع الباطل، أما آونة الجهل ففيها تُلفّق الأكاذيب بالدين حتى يتماشى والذوق العام-الجاهل-، وهكذا، فكل انتكاسة للمسلمين تُلحق بدينهم أذىً كبيراً، أذىً لا تدفعه نهضة المسلمين من بعد نكستهم، لأن الحق حين يُمزَج بالباطل يصعب تمييزهما من بعضهما البعض، لهذا تجد كتب المسلمين مملوءة بخرافات وعجائب لا يقبلها العقل وإن أيّدها الناقلون وأكدوا ثبوتها.
________________________
(1) قالها الأمير قتيبة بن مسلم مشيراً لأن دولة المسلمين تاخمت حدود الصين من الشرق وبلغت الأندلس-اسبانيا-في أقاصي الغرب-وكان ذلك في عصر الخليفة الوليد بن عبد الملك 86هـ:96هـ -.
(2) قامت عقيدة المُرجئة على إرجاء الحكم لله، فهم لا يحكمون بكفرٍ أو زندقةٍ على أحد ذلك أن الله سيفصلُ بين الناس يوم لقائه، و الراجح أنهم فضّلوا تلك العقيدة تجنُّباً للصدام مع رجال السياسة.

   ،

أهم نصوص الإسلام هو القرآن وهو ثابت قطعي لدى كل الطوائف الإسلامية، متواتر، أي أن المسلمون لا يعتمدون في نقله عبر الزمان على الكتب، بل تحفظه صدورهم، يَتلونه آناء الليل وآناء النهار، هناك الآلاف من حفظته عبر الأجيال المختلفة، فاحتمالية تحريِفه أقرب إلى الاستحالة، والحق أن المسلمين تعلموا الدرس لما رأوا من تحريف الكتب المقدسة الأخرى، فكان حريٌ بهم أن يتخذوا مسلكاً مختلفا في حفظ النصوص القرآنية من التحريف، فاستغنوا عن الكتب بالقلوب التي تحفظه. ما سلف لا يعني بالضرورة أن القرآن لم يتحرف، فنُصوصه قد حُفظت لكن معانيها تبدلت وتغيرت، واُستخدمت في غير محلها الأوّل، بل و ضاع منّا المعنى الأول تماماً، أي أن المعنى قد حُرِّف. وربما يُحتج هنا بأن القرآن رسالة إلهية مناسبة لكل العصور فلذا تتغير تفاسيره عبر الزمان، لكن هذه النظرة-المخالفة للمنطق-لا تُعلّل انحراف المعاني إلى هذا الحد، فيستحيل على سبيل المثال أن يكون الإسلام دين قتلٍ وسفك دماء كما تفهم الجماعات الجهادية، فذلك هو التحريف بعينه، وليس تجديداً يحفظ للرسالة عصريتها.

صحيح البخاري
يلي القرآن في الأهمية لدى أغلب المسلمين الحديث النبوي(1)، لم يُحفظ الحديث بطريقةٍ تؤمّن سلامته من التحريف، فلقد تُرك للتداول بين العلماء قرنين من الزمان قبل أن يُجمع في كتابٍ، حتى أن البخاري(2) اختار 7500 حديث-تقريباً-في صحيحه من أصل ستمائة ألف حديث كانت متداولة في عصره، وذلك يدلُّ على كثرة الوضع في أحاديث النبي، وكثرة الوضاعين. وأسباب الوضع مختلفة متعددة، نتفرغ لإيضاحها في مجالٍ آخر. المثير هنا أن جمع الأحاديث في الكتب لا يضع حداً لتحريفها لِعِلَّتين، الأولى ان ما جُمع من الأحاديث ليس كلّه صحيح كما بدا للمحدِثين بل إن كثير منه موضوع، وخاصة ان المُحدثين قد اشتغلوا كثيرا بتصحيح من نقل إليهم الحديث-السند-وتهاونوا في جوهر الحديث-المتن-، فقد يحمل الحديث خرافة يقبلونها لأن السند صحيح، أما العلّة الثانية أنهم قد حصّنوا بهذه الكتب نصّ الحديث، أما المعنى فهو مُعرضٌ للتحريف كما أبنّا-في معنى القرآن-.

تأتي في المرتبة الثالثة من الأهمية، اجتهادات العلماء في بيان الإسلام، فهناك من المسلمين من يقدّس اجتهادات الأوائل-مثل السلفيين-ويُبديها على عقله، وهناك من يأخذها في الاعتبار من دون توغلٍ في التقديس، وهناك من يرفضها البتة، وفي هذه النصوص كارثةٍ كبرى لأن آراء العلماء هذه لم تنزل من السماء بل نتجت عن أفكار بشرية في عصور مختلفة وظروف شتى، فلا يصح أن تُفرض هذه الأقاويل والحجج إذا تغير الزمان و المكان، بل إن الواجب يقتضي ان يُعيد علماء كل عصر الكرة من جديد و يبحثون من جديد آخذين في الاعتبار أقاويل القدماء من دون تسليم بصحتها، لكنهم في الواقع لا يفعلون، وذلك الباب خطره عظيم على الدين، فهو يفتح مدخلاً هائلاً لأن يقع المسلمون في فخ التخلف والرجعية.
_______________________
(1) هناك بعض الفرق من غلاة الشيعة يفضلون سيرة الإمام علي-رضي الله عنه-على أحاديث النبي-صلى الله عليه وسلم-.
(2) الإمام البخاري هو رائد المحدِّثين-علماء الحديث-، وضع كتابه صحيح البخاري في منتصف القرن الثالث الهجري، وفي هذا الكتاب لا يكتب إلا الأحاديث التي صّحت عنده، ويضفي بعض المسلمين قداسة شديدة على هذا الكتاب فيقال "إن أول كتاب بعد القرآن الكريم، صحيح البخاري".
  ،
على الجملة فقد وقع تحريفا كثيراً في الإسلام، حُرّفت النصوص وحرّفت معانيها، ففسد منها الكثير عبر أزمنة متفاوتة كما أبنّا، نأتي أخيراً للحجة الواهنة الملتصقة بأذهان المسلمين من أن نصوص الإسلام لها حماية خاصة، فهذا الدين يحميه الإله بنفسه من التحريف حيث يقول الله في كتابه: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"-الحجر 9-فتصير هذه الآية برهاناً لدى كل المسلمين على حصانة القرآن من التحريف، وتحليلاً لهذا الرأي ننظر إلى الكتب المقدسة الأخرى و نرى ماذا وعد الإله فيها؟، هل أقر بفناءها بعد حين من الدهر؟
 - في التوراة يقول الرب: (الى الأبد يا رب كلمتك مثبتة في السموات) مزمور 119: 89، نصيّاً تتفق هذه الآية مع آية نزلنا الذكر، لكن التوراة حُرّفت أيما تحريف، فربما نحن من يسئ فهم الآية.
 - وفي الإنجيل يقول المسيح: (إني الحق أقول لكم الى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى  يكون الكل) متى 5: 17، وهي آية صريحة تُقر ببقاء كلام الإله، يفهمها كل إنسان حسبما هواه.
 - وفي كتاب الأفستا يردد الإله: (نطقت بكلمتي تلك أبداً)، على الرغم من أن الزرادشتية أوغلت في التحريف إيغالاً.
 - وحتى النصوص البهائية بها كلمات مشابهه: (ثمّ احفظها عن التّصرّف فيما لم يدخل في ملكها).

إذن فالوعد ببقاء كلمة الإله وعداً مأثوراً منذ القدم، لكن الخطأ يقع عند تصنيف كلمة الإله على انها الكتاب المقدس. وتفادياً للمزيد من المنعطفات الفلسفية دعونا نتجرد من النصوص وقهرتها على النفوس، فالنصوص وهي موضع اتهام، لا تصلح ان تكون دليل تبرئة لذاتها، وقد أسلفنا من الأدلة التاريخية ما يُثبت تحريف الكلم عن مواضعه، وأن معاني النصوص الإسلامية قد تبدلت أيما تبديل.



أركان التعفن كما أوضحنا في تدوينة تعفن الديانة 1 هي: انحراف النصوص عن أصلها، وتفشي الجهل والانحطاط في الخلق-كما هو حال أغلب المسلمين اليوم-، وآخر الأركان وأكثرها إيحاشاً هو تمكن رجال الدين من المجتمع واستلائهم عليه، يحركون المجتمع بكلماتهم، يوجهونه كيفما رأوا، يخرجون على الناس من فوق منابرهم فيتشدقون بكلمات النبي وآيات القرآن يحرفون معناها كيفما يحلوا لهم، فهذا حرامٌ بين وهذا قطعاً حلال وكله بهوى رجال الدين-مثل تلك الفتوى التي تُحرّم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم! ثم تبيحها إن كان هناك مصلحة ما للمتدينين في التهنئة-، وهم يبذلون الكثير في سبيل المظاهر التي لا قيمة لها أصلاً فتجد اللحى والجلابيب والحُجُب والنُقُب صارت من ركائز الإيمان، و هم يَسُبون من لا ينحاز لهم أنه كافرٌ وجب لعنه(1) فتتسع الفجوة بين طبقات المجتمع، حتى صار التوقيع على نغمة الدين شغلة من لا شغل له من هؤلاء الدجاجلة المنحطون.

 حمزة الخطيب، وإلى يساره حسن شحاته،
من أشهر ضحايا التطرف المذهبي
أمّا الفرق الإسلامية التي أسلفنا بيان نشأتها، فهي هي في أفكارها وأُطُرها العامة، لكن النزاع فيما بينها صار منحطاً مقززاً يُكفّرون بعضهم البعض، بل ويسفكون دماء بعضهم البعض، كما هو الحال في الوطن العربي، حيث بولغ في العناد بين السنة والشيعة حتى رأينا جرائم بشعة كذبح حمزة الخطيب وحسن شحاتة باسم الدين!، أي دين هذا؟، تالله إنها الإنسانية قد نزعت من قلوبهم فصاروا وحوشاً بشرية، يقتلون النفس التي حرّم الله قتلها بغير حق، تراهم يتذابحون مُكبّرين مهللين رافعين رايات لا إله إلا الله، وهو برئ منهم، وما نلوم إلا رجال الدين الدجاجلة الذين آثروا التكفير، فكل شيخ يرى فرقته الفرقة الناجية وأن بقية المسلمين-الموحدين-كفرة هالكون إلى جهنم وبئس المصير!، وكأنما بُعث محمداً هلاكاً للعالمين، ويعللون ذلك بحديثٍ أحمق "هذه الأمة ستفترق على ثلاث و سبعين, اثنتان و سبعون في النار و واحدة في الجنة" (2). إجمالاً فهذه السياسة التكفيرية ستؤدي حتماً إلى انهيار سقف الدين فوق رؤوس معتنقيه.
___________________________
(1) وقد ورد في الآونة الأخيرة تعليلاً لسبّ الكافرين بما ورد في البخاري من قول أبي بكر-رضي الله عنه-لأحد الكفار: "امصص ببظر اللات".
(2) هذا الحديث صحيح نصفه الأول فقط-الذي يخبر بانقسام الأمه، وقد حدث بالفعل-أما النصف الذي ينبئ بهلاك معظم المسلمين في النار فهو ضعيف. ويقول فيه ابن حزم: إنها موضوعة لا موقوفة ولا مرفوعة. هذا بجانب ان المتن فاسد لا يصح الاعتماد عليه.

  ،

التوصيف الكامل لحالة المسلمين لا يتم إلا بوصف حالة فريق "مسلمين على البطاقة"، هؤلاء الذين لا يعرفون من الدين سوى انتماءهم إليه ونيفٍ من فروضه، يرتكبون معاصيهم بدعوى أنهم "ناس عادية" ولا يحكمون الدين كثيراً في حياتهم، على الرغم من ذلك فهم إليه مُتعصبون. هؤلاء لم يحسموا أمرهم بعد من الدين فكرياً ولا عقائدياً، ربما ينحرون دينهم عمّا قريب إذا وجدوا في الإلحاد مرتفقاً ينجيهم من عبء الدين، وربما يتطرفون يوماً ما انجرافا وراء دعاوي "أغيثوا دينكم" و"فداك أبي وأمي يا رسول الله"، لكن الحتمي أن بقاءهم على هذه الحال ليس إسعافاً للإسلام الذي يختنق إثر تعفنه.

إذن ما هي المرحلة القادمة للإسلام؟، يُعجبني هنا ان أذكر حديث رسول الله-صلّى الله عليه وسلم- "لَتَتّبِعُنّ سَنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ. حَتّىَ لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبَ لاَتّبَعْتُمُوهُمْ، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللّهِ آلْيَهُودُ وَالنّصَارَىَ؟ قَالَ فَمَنْ؟"(1) فلذلك الحديث دلالة فحواها أن ما حلّ بالمسيحية سيحلّ بالإسلام، نعم سيحلّ بالإسلام، فطرقات الإلحاد قد سُمعت مدوّية في المجتمعات الإسلامية، ولو سُئلت لقلت أن الحق مع الملحدين، فهم يعاصرون الإسلام المتعفن، يعانون ويصرخون أنى نجد أحداً يُحدثنا بعقله كما نُحدثكم بعقولنا فلا يجدوا سوى هذا الهراء من الخطابات الدينية المؤذية، فقد تحقق فينا قول أبي العلاء المعري " اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا دين ... وآخر ديّن لا عقل له". هنا يبرز التساؤل, لماذا يتهرب المسلمون من حلبة الجدال العقلي؟، لعل السبب أنهم يؤمنون بنصوصٍ مُحمّله بالخرافات والمتناقضات التي لا تقبلها عقولهم وتُسلّم بها قلوبهم إيماناً واحتساباً، فكيف يواجهون العُقلاء وهم قد طَمَسوا أنوار عقولهم بتلك النصوص.

تُثير استفزازي تلك الحلول المطروحة من علمانية وليبرالية، فما هي إلا أدوات جديدة لـ"رجال دين"-من طراز آخر-سيضغطون بها الناس مجددا في دائرة الدين، لكن هذه المرة الدين مفصول تماماً عن السياسة وربما عن الحياة، فما أعظم هذا الدين! لأصحاب هذه الدعاوي أن يفهموا أن الدين والسياسة متجاوران ما بقيا، فالدين هو وسيلة الإصلاح الفردية والسياسة هي وسيلة الإصلاح المجتمعية، وكلاهما حائجُ إلى الآخر، متشابكان ضروريان لنجاح بعضهما البعض، لذا أرفض القول بأن "الليبرالية ستار الإلحاد" فالحقّ ان "الليبرالية هي ستار الدين" فهو الأحوج للإستتار. ولعل الحوارات الإعلامية التي تدور بين الفصيلين-العلماني، الإسلامي-هي التي ستكتب كلمة النهاية في سيناريو الإسلام، فالظهور الدائم لهذا الحوار بين المتطرفين يضغط على المجتمع، ويخفي في طياته الكثير من الآراء المختلفة، التي هي أقل تطرفاً من المتنازعين، وذاك يقيناً يُنفّر الناس من الدين.

على الجملة، قد لا يفيد مطلقاً الإقرار بقدوم الإلحاد من عدمه، لكن المهم هنا أن نقر بأننا بصدد دينٍ متعفن، علينا أن نسارع في إسعافه كلما أمكن، ربما أكون متشائماً أكثر من اللازم لكن ظنّي يغلبني على أنه في القريب العاجل سينجلي الإسلام من هذا العالم، بلا رجعة.
_________________
(1) أخرجه البخاري ومسلم وهو صحيح، والضب هو حيوان يعيش في الصحراء والبراري، ويضرب المثل بجحره في الصغر والضيق.


ملحوظة: في السياق تعرضت لبعض الأحداث التاريخية التي وصلتنا عبر نصوص دينية أو مقدسة، فآثرت الإبقاء عليها كما هي دون التعرض لمدى صحتها.

الجمعة، 28 يونيو 2013

تعفن الديانة 3: المسيحية

ننتقل الآن بسطورنا هذه إلى مثال آخر على الانحطاط الديني، وهو المسيحية. أنوه مبدئياً انني لا أنتقص من قدر الدين في أصله بقدر ما أنتقص فيما عابه وصابه من تحريف وتعديل عبر الزمن ليكون ضامناً لبقاء السلطة في أيدي ممثليه.

الاضطهاد الروماني للمسيحين.
جاء السيد المسيح ببشارته السمحة، وتعاليمه المتسامحة، فاضطهده أهله من بني إسرائيل حتى صُلب، والتهمت نيران الاضطهاد أرواح النصارى من بعده، فقد اضطهدهم الرومان بداية من عهد نيرون (1)، حتى عهد قسطنطين العظيم الذي كفل للنصارى حرية العقيدة أخيراً. فسرعان ما خلعت المسيحية حُلّة الاضطهاد البالية وارتدت حُلّة النزاع العقائدي الزكية، فانعقدت المجامع المحلية والمسكونية (2) التي ناقشت أمور العقيدة ووضعت قوانين الإيمان، ثم عَقب ذلك بالضرورة ظهور جماعات المهرطقين (3) وكثرت المنازعات شرقاً وغرباً. وصل الأمر في بعض الأحيان للتكفير بين المتنازعين، وأحياناً بقيَ جدالاً معتدلاً.

وكما هو سائد بين الأديان، تعفنت المسيحية تحت وطأة الجهل، ولم يكن مخاضها من ذلك الطور سهلاً يسيراً، فلقد خرج الأمر عن مجرد سيطرة رجال الدين وامتد إلى تعذيب واحراق وقتل وتشريد في كل أنحاء العالم المسيحي، برروا موقفهم بكلمات موجعه من الكتاب المقدس مثل "لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض. ما جئت لألقي سلاما. بل سيفا. فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه ...." (متى 10-34) فاندفع الناس ينفذون كلمات الإله، يقتلون ويسفكون الدماء، لاختلاف في الدين أو العقيدة أو المذهب أو حتى في الرأي، وعلى العموم فلقد تعفنت المسيحية إلى حد يثير الاشمئزاز على أيدي الرهبان والقساوسة، حتى قال أحدهم "لم يرَ التاريخ بهائم متوحشة، أشد افتراسا وقساوة من المسيحيين بعضهم لبعض" (4)، وكما أبنّا أنه كلما ضاق الخناق الديني على الناس، أبقوا على دينهم ما دامت السيطرة الدينية قائمة، ويبقى مفترق الطرق قائماً،

  • الطريق الأول هو التسرب إلى ديانة جديدة يجدون فيها براحاً كافياً لممارسة حياتهم اليومية بعيداً عن صداع النصوص وتزمت رجال الدين، كما كان من أهل مصر قبيل الفتح العربي، حيث أنهك مصر الانقسام المذهبي بين الملكانيين-كنيسة بيزنطة-واليعاقبة-كنيسة الإسكندرية-، لذا أسرف الحاكم البيزنطي المقوقس في فرض العقوبات على اليعاقبة والتي بلغت حد الإحراق والتعذيب، فتجهزت نفسية المصريين للهروب من هذا الدين، لذلك لما جهز عمرو بن العاص لفتح-غزو-مصر، تحمس له المصريون واعانوه على الروم خير معونة، وبعد الفتح أسلم منهم الكثيرين وهجروا دينهم القديم من دون أدنى ندم.
  • محاكم التفتيش
  • أما الطريق الثاني امام من تعفن دينهم فهو طريق الإلحاد، ولكن الإلحاد يأخذ وقتا طويلاً كي يتأصل في المجتمع وكي يقرر أهل الديانة أنهم سأموا فكرة الإله التي تجبرهم على تلبية أوامر رجال الدين، وتلك السكة سلكتها أوروبا، حيث بلغ التعفن ذروة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً-حتى سُميت تلك الفترة بعصور الظلام-، فقد تدخلت الكنيسة الكاثوليكية في حياة الناس اليومية وفتشت عن أسرارهم، ونهبت أموالهم، و ابتدعت بدعاً عجيبة لفرض السيطرة مثل صكوك الغفران-صكوكاً يشتريها الناس لتغفر ذنوبهم-، وأُنشئت محاكم التفتيش التي تقوم على كشف المخالفين لآراء الكنيسة ومعاقبتهم والتي تُدلّل على عظم سلطان رجال الدين في ذلك العصر، و النتيجة الحتمية لهذا الانحطاط أن هرب المسيحيون من دينهم، بدأت دعوة الإلحاد بهمسات خافته في بادرة الأمر، ثم اندفع الناس من بعد ذلك أفواجا يعارضون آراء الكنيسة ويخرجون عليها، حتى وصلنا اليوم إلى هذا المجتمع الأوروبي المعاصر الذي لا يلقي بالاً إلى رأي تراه الكنيسة لا في كبيرة ولا في صغيرة بل ويروج لفكرة الإلحاد عند المجتمعات الأخرى لأنه يرى فيه طوق النجاة من قفص الدين المتعفن.
                                                                    
(1) قام نيرون بإحراق روما لمزاج خاص في نفسه، ثم ألصق التهمة بالمسيحين فعذبهم وقتلهم، ومن ضحاياه بولس وبطرس الرسولين.
(2)المجمع هو اجتماع لرؤساء الكنائس المختلفة في نطاق ما لبحث قضايا تخص الكنيسة او مناقشة بدع حلت محلها من الإيمان. وبكون المجمع مسكوني أي يشمل العالم كله شرقا وغرباً او يكون محلي أي يشتمل فقط على نطاق محدود. والمجامع فكرة يهودية الأصل.
(3) الهرطقة في المسيحية مثل الزندقة في الإسلام، كلتاهما تصف أفكار الشخص أو الجماعة التي تحيد عن المعتقدات السائدة.
(4) القائل هو البابا إمياثوس مارسلانوس، ونقل عنه هذا القول د.إدمون رباط في كتابه المسيحيون في الشرق قبل الإسلام.

  ،


أخيراً، أنوه على أنني لم أُكثر من الأمثلة-على الرغم من كثرتها-، فلقد آثرت أن أتحدث عن المجوس والنصارى فقط، لأسباب عدة منها أنهم جوار المسلمين في الشرق الأوسط، ومرت ديانتيهم بظروف مطابقة للظروف التي مر بها الإسلام الذي هو محل بحثي أصلاً.
   

        يُتبع ...  

                   تعفن الإسلام.

ملحوظة: في السياق تعرضت لبعض الأحداث التاريخية التي وصلتنا عبر نصوص دينية أو مقدسة، فآثرت الإبقاء عليها كما هي دون التعرض لمدى صحتها.

تعفن الديانة 2: الزرادشتية

لعل خير ما نقوم به الآن، أن نتابع تطور ديانة أو اثنتين من تلك الديانات التي تعفنت فنفهم ما عُني بهذه الأسطر السوابق. وخير مثالاً نبدأ به يكون الزرادشتية-أو المجوسية-فهي ديانة قديمة تعفنت، وهرب معظم أتباعها منها، حتى أنه في عصرنا نكاد نجزم بأنه لا يوجد كيان لزرادشتيون معاصرون.

ولد النبي زرادشت في أذريبيجان بـ حوالي ستمائة عام قبل الميلاد، ولم يكن انتصاراً لدعوته إلا بعد أن هاجر لـ بلخ حيث آمن به هنالك الملك وحاشيته، فأخذوا على عواتقهم مهمة نشر الدين، حاربوا وسفكوا الدماء حتى صار دينه ديناً رسميا لإيران. في تلك الآونة كان الوحي قد أتمّ له كتابه المقدس افستا والذي ينطبق في تعاليمه والإسلام من حيث القدر والبعث والصراط المستقيم، وعلاقة العبد بربه، وحتى في وصف زرادشت لنفسه بـ " أنه رسول الله بعثه ليزيل ما علق بالدين من الضلال، وليهدي إلى الحق".



النبي زرادشت
لكن تعاليمه القويمة لم تصمد أمام نحت الزمان، فنالتها الأيدي العابثة لتُحرف ما فيها من نصوص، وجاء من كل حدب وصوب إماماً للناس ينسّخ آيات زرادشت بحُجَجٍ مختلفة، مثل دعوة ماني الرهبانية-ربما تأثر بالمسيحية-، ودعوة مزدك (1) الاشتراكية التي بلغت حد مشاركة الزوجات.

ولعل الأمر امتد لأكثر من ذلك، حين كَثًرَ الجهل بين الناس وشغلهم الاهتمام بمظاهر الدين، فقهرهم الحرص على اتباع النصوص الدينية التي كانت مكتوبة بلغة فارسية قديمة لم يفهمها معظم المجوس في ذلك العصر، لكنهم أصّروا على اقتناء كتب الشروح ونفذوا ما فيها بحرفيته، وبالغوا في الاعتقاد بوجود إلهين (2)، و تحولوا من مجرد تقدير قيمة النار إلى تقديسها ثم عبادتها-لذلك يبلغ الظن عند معظم الناس أن المجوس هم عبدة النار-، وعَظُمَ سلطان رجال الدين فغلبوا على الحكم غلبتهم، وما ان تقهقر سلطان النظام الحاكم على القلوب حتى سقط الفرس غنيمة يسيرة في أيدي العرب لما هُزموا على أيديهم في موقعة القادسية، وكما أبنّا أن الضامن الوحيد لبقاء الأديان المتعفنة هو سلطة تكره الناس، لذا-وقد أُهلكت هذه السلطة- هرب المجوس من تلك الديانة المتعفنة إلى الدين الجديد!، صحيح أن بعضهم أبقى على دينه، لكن ذلك لم يكن إيماناً بقدر ما كان تعصباً عرقياً.
                                                                                          
(1) لـ مزدك كتاباً يسمى زند، لذا سُمّي أتباعه بـ زندي كاي ثم عُربت الكلمة لـ زنديق، وبعد ذلك حورها العرب لتشمل كل ملحد.
(2) حيث بالغوا في توصيف الجانب المظلم من الكون بصفة الألوهية وبرروا ذلك بآية "إن الذي ينظر نظرة الوعيد غير الذي ينظر نظرة الرحمة" من كتاب "الأفستا".


        يُتبع ...  

                 تعفن الديانة 3: المسيحية .
                     تعفن الإسلام .


ملحوظة: في السياق تعرضت لبعض الأحداث التاريخية التي وصلتنا عبر نصوص دينية أو مقدسة، فآثرت الإبقاء عليها كما هي دون التعرض لمدى صحتها.

تعفن الديانة 1

كان مرور نحو 570 سنة على المسيح كافياً لفساد العقيدة النصرانية، كما حدث للإسلام فيما بعد، وكما حدث للديانة الزرادشتية والبوذية فيما قبل. ذلك أن عقيدة الألوهية المجردة عن المادة والأجسام عقيدة صعبة المنال لا يدركها إلا خاصة الخاصة، وإن أدركوها فسرعان ما ينسونها ويميلون إلى الوثنية المألوفة الموروثة، لهذا أفسد العرب دين أبيهم إبراهيم وملأوا الكعبة بالأصنام. وأفسد اليهود دين موسى فاتخذوا عجلاً جسداً له خوار إلهاً لهم، وقالوا لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة وهكذا. فالألوهية المجردة والاستمرار على اعتقادها شاقة عسيرة. وقيل إن الإنسان ميال دائماً إلى التجسيد، لهذا فسد الدين في كل أمة من الأمم، واحتاجت إلى نبي جديد(1). وجُل الأديان القديمة فسدت بطرق مشابهة، فالزرادشتية فسدت ونسي المجوس كلام زرادشت وتزوج الملوك من بناتهم واخواتهم، اما الهندوسية فقد حول أهليها المجتمع إلى طبقات وأفرطوا في الوثنية بأمر الدين!

والراجح أن الأديان كلها تتمحور بنفس الطريقة، وتمر بنفس الأطوار، تبدأ بسيطة لا غلو فيها، تدعمها آراء نبي أو حكيم، ثم تتعاقب عليها الأجيال المؤمنة، ويُبذل الدم في سبيل نشر الدين، ويَتم نوره على بقاع الأرض فيدخله الناس أفواجاً. ثم يحين طور الترف العقائدي فتظهر على الساحة المبارزات العقلية والكلامية حول صفات الإله والقضاء والقدر وخلافه، وتجد ذلك النزاع تارة هادئاً لا يخرج عن نطاق المجادلات والمناظرات الحادة، وتجده تارة عنيفا قاسيا يقتتل الناس في سبيله.

 يتفشى أخيراً الجهل والانحطاط في عوام الناس، يتسارعون في تلبية دعاوي الرجوع إلى أصل العقيدة فيأخذهم النص أخذته ويضيع بين سعيهم الجوهر، يقهرون أنفسهم لتطبيق نصوصاً لا يفهمونها ظناً منهم أنها الخلاص، يتناسون أن تلك النصوص قد حُرفت واكلتها السنون، يبررون في كل ليلة نكبتهم ببعدهم عن الدين، ولرجال الدين في ذلك الطور خصائص بشعة، ندقق فيها لاحقا.

المعهود أن ذلك الحال قد يمتد لقرون! شريطة وجود نظام حكم قوي يستمد قوته من هذا الدين، يُكره السواد على ذاك الدين المتعفن ويأخذهم به، ولا يتخلص المجتمع من ذلك الجهل إلا بظهور دين جديد يحرك في الناس قلوبهم، ليندفعوا من جديد في نفس العجلة حتى يفسد عليهم الدين-الجديد-، أما إن لم يكن هناك دينا جديداً، تجد طَرقات خفيفة مرتعدة على باب الإلحاد في بادئ الأمر، وما أن يذيع في الناس خبر الإلحاد ربما وجدت مجتمع بأسره يحلق نحو الإلحاد، الذي هو مفتاح التحرر من قبضة رجل الدين القاسية.

ذلك التصور-السالف ذكره-حول تمحور الأديان لا يكفي لدراسة تدفق الأديان بعمق، ذلك أنه مما يؤثر في الدين طبيعة الشعب الذي يدين به والبيئة التي ينتشر فيها ذلك الدين وربما أثّرت بعض العوامل كالحروب والنكبات والمجاعات وكثير مما لا يمكن إجماله في سطورنا القليلة، لكن ذلك التصور يعطينا مؤشرات واضحة وبسيطة عن المراحل التي يمر بها كل دين عموماً، فهو كلاسيكي بقدرٍ كبير، يتجاوز عن دقائق الأمور ويفند في عمومها، فتخرج منه بمؤشرات عامة صحيحة تُدلّل على حالة وطبيعة الدين الذي أنت بصدد تفنيده.
                                                                                            
(1)   مقدمة كتاب يوم الإسلام لـ أحمد أمين، نقلت تلك السطور-وغيرها-كما هي، فلم أجد أليق منها ليعبر عما في خاطري.


       يُتبع ...

                   تعفن الديانة 2: الزرادشتية .
                   تعفن الديانة 3: المسيحية .
                   تعفن الإسلام .